النفط و الكورونا وحروب في الأفق!

ثلاثون دقيقة في فندق حياة بارك في فيينا، الجمعة 6 آذار، ولقاء عاصف بين ألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي، ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، كانت كافية لإشعال حرب اشبه بالنووية كما وصفتها صحيفة الفايننشال تايمز يوم الجمعة 13 آذار.
قبل ذلك بيوم كانت النقاشات في فيينا تدور حول ضرورة خفض الإنتاج بمقدار 1.5 مليون برميل يوميًا للأشهر الثلاثة المقبلة، استجابة لانهيار الطلب العالمي بسبب تفشي فيروس كورونا.
وحصل تلاسن قاس بين الأمير السعودي والمندوب الروسي بحسب الصحافة الغربية.
خلال ساعات وبعد مشاورات بين الوزير والأمير محمد بن سلمان، انقلب الامر تماما بقرار مزلزل. أطلقت المملكة أول قنبلة، وخفضت شركة أرامكو، سعر نفطها الخام. ثم كشفت رويترز ان الرياض عرضت على بعض الشركات اسعارا تقل عشرة دولارات عن السعر المعلن، وكان واضحا ان هذا العرض قدم لشركات في شمال شرق أوروبا، السوق التقليدي للنفط الروسي.
هكذا انخفض سعر البرميل من 55 دولارا الى 35 دولارا، بين ليلة وضحاها. يوم الثلاثاء استفاقت موسكو على قنبلة أخرى اذ رفعت السعودية انتاجها من النفط إلى 12.3 مليون برميل في اليوم، وهو ما يزيد 2.6 مليون برميل في اليوم عن إنتاجها الأخير. بعد ذلك بيوم واحد، أصدرت أرامكو بيانا، انها سترفع الطاقة الإنتاجية إلى مستوى قياسي يبلغ 13 مليون برميل في اليوم.
مذبحة الأسعار التي بدأتها السعودية الحقت اضرارا هائلة وفورية في الأسواق.
اول المتضررين بالطبع كانت روسيا، فسعر انتاج البرميل من النفط يصل الى 25-30دولارا، ولا يمكنها احتمال نزول السعر اقل من ذلك، وقد حاول الوزير الروسي نوفاك التوصل الى سعر لا يهبط عن ال 40 دولارا للبرميل، لكن جهوده فشلت.
ثاني المتضررين هو إيران حيث اضطرت لبيع نفطها في السوق الموازي بسبب العقوبات الى ما يقل عن عشرين دولارا للبرميل.
المتضرر الثالث هو كارتيلات صناعة الزيت الصخري في الولايات المتحدة، فكلفة انتاج البرميل بسبب الدعم الهائل من الحكومة وصل الى 47 دولارا للبرميل، وهو الذي مكن الولايات المتحدة من ان تصبح مصدرا رئيسيا للنفط، واحتلت العديد من الأسواق الروسية التقليدية، وإذا ما استمرت حرب الأسعار حتى نهاية العام فان كل الصناعة معرضة للتوقف وخسائر بترليونات الدولارات.
في الحديث مع خبراء حول قدرة السعودية على احتمال هذه الكارثة الاقتصادية التي فجروها، تبين ان السعودية ماضية في حرب الأسعار الى النهاية، حتى لو هبط سعر البرميل الى عشرة دولارات، لان كلفة استخراج البرميل هو الأقل في العالم، إذ يتراوح 7-9 دولارات فقط. ولهذا تبيع الرياض في السوق الموازي بنحو 20 دولارا للبرميل وتستطيع النزول بالأسعار أكثر من ذلك. كما ان تعليمات صدرت لكافات القطاعات والمؤسسات الحكومية السعودية بتخفيض موازناتها للمشاريع بنسبة ثلاثين بالمئة، استعدادا للازمة القادمة.
التأثيرات على شركات النفط كان كارثيا، يوم الثلاثاء أعلنت شركة أوكسيدنتال بتروليوم، تخفيض الأرباح بحوالي 90%.
وبحلول يوم الخميس، انخفضت أسهم شركة BP إلى أدنى مستوى لها في 24 عامًا. وتقلصت القيمة السوقية لشركة إكسون إلى 178 مليار دولار فقط، وتعالت صيحات المسؤولين التنفيذيين عن الطاقة في الولايات المتحدة، للضغط على البيت الأبيض للحصول على المساعدة وتعويض الخسائر.
بصرف النظر عن صحة او خطأ القرار السعودي، فتقييمه سيأتي من الخبراء والاقتصاديين المحترفين. لكن الذي يحتاج الى فحص وتدقيق، هو الاثار السياسية لهذه الحرب الكونية التي أعلنتها الرياض، لتضاعف الاضطراب العالمي مع فيروس الكورونا.
يقيناً أنها حرب أسعار، تختلف عن كل سابقاتها. فكل الاستراتيجيات التي وضعتها روسيا سياسيا وعسكريا، تقوم على وفرة انتاجها النفطي، والفائض المالي الهائل الذي توفره أسعار النفط عند 50 دولارا للبرميل بالحد الأدنى.
وفي تقديري، الذي يحتاج الى فحص، هو ان روسيا وإيران لن تقفا مكتوفتي الايدي، ومعهما دول مثل إيطاليا وفرنسا اللتان تدعمان ميليشيات ليبيا مقابل نفط يصل 18 دولارا للبرميل، وليس في تصوري غير الحرب بأشكالها ومناطقها المختلفة.

محمد مشارقة

كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *