ثلاثة أقنعة سوداء للعقل السياسي السوري!

هي أقنعة بالفعل رغم فظاظتها وغلاظتها الباديتين، لأنها تخفي وراءها قبحاً حقيقياً أشدُّ تطرفاً بَعدُ من المظهر الذي ترغب في أن تبدو عليه في نظر الآخرين. إلا أن القاسم المشترك بينها هو أنها جميعاً تعكس عمق أزمة الوعي السوري بالهوية، بالذات والآخر. أزمة غياب الشعور المشترك بالانتماء وبالمصير لدى السوريين.

  • القناع الأول، ثقافوي/إعلامي معارض، يمثّله فيصل القاسم نموذجاً؛ الإعلامي الاستعراضي المشهور لدى فضائية الجزيرة القطرية. عقل تهريجي يميل إلى الصراخ والزعيق الاستعراضي، انتهازي متملّق. متفاصح وشعبوي في آن، مولعٌ بالسفسطة المبتذلة، يداهن مزاج الكراهية البدائي لدى الشارع والجمهور المعارضين، يستثير لديهما النوازع العرقية والمذهبية الدينية. ينتحل صوت الأغلبية العرقية والمذهبية، ويعارض النظام من هذا الموقع، لا من موقع مَثل سياسي أعلى أو طموح مشترك جامع للسوريين.

هو على استعداد لتبرير جميع المتناقضات وتسويتها بطريقة فجّة. يعلن بطريقة مبتذلة أن هذا النظام غير صالح لحكم البلاد، فاقدٌ للشرعية، ليس لأنه مستبد أو فاسد، أو لأنه قتل السوريين، أو انتهك دستور البلاد… إلخ. إن ما هو أهم من كل ذلك وجوهري في غياب شرعية النظام، برأيه، هو أنه ليس عربي من صلب “العرب العاربة” أو منتمياً لدين الأغلبية العرقية ومذهبها (مذهب السنة والجماعة)، إنه بعبارة ووصف فيصل قاسم “كردي بهرزي”، منحرف وشاذ، طارئ على العروبة الصافية والنقية وعلى الإسلام العربي. لقد فقد الأسد الشرعية الآن، لأن الغطاء رُفِع عنه بعد أن خدع العروبة والإسلام وتحايل هو وأبوه، لنصف قرن، عليهما.

الوجه الحقيقي لفيصل قاسم وأمثاله من “المدّعين” هو خلاف ذلك وأبشع. وهو ما يضعه في مفارقة غبية مع مزاعمه السياسية. وبصرف النظر عن الصدق المعرفي لأصول آل الأسد -الذي قال به وأشاعه الأديب الكردي الراحل عز الدين مصطفى رسول وناقشته في الأمر حينه مباشرةً- من أنهم ينحدرون من مدينة خانقين الكردية وينتمون إلى العقيدة اليارسانية، الفرقة الأقرب إلى المذهب الدرزي، معتقداً وطقوساً، من بقية الفرق، فإن إعادة اكتشاف هذا الأمر وإثارته على هذا النحو الاستعراضي من قبل فيصل قاسم يوقِعه في مفارقات مضحكة مع انتمائه المذهبي بالذات. إنه تقويّ للغاية، وغارق في تقويّته، لا يكترث للعروبة أو الإسلام ولا يقيم لهما أيّ وزنٍ إلّا تهريجاً واستعراضاً.

  • القناع الثاني، سلطوي/سياسي أيديولوجي، يخفي وراءه بشار الأسد ونظامه وجههما الحقيقي. هو لا يختلف في ادعائه عن فيصل القاسم إلا في الكم، ويبدو أقلَّ تهريجاً منه وأشدَّ كآبةً وبؤساً في مزاعمه السياسية. لكنه بالمقابل يبدو أكثر هشاشة وضعفاً في تصديق مزاعمه عن إسلام سوريا وعروبتها. وإذا كان الإعلامي، من طراز فيصل القاسم، يعلن عن مزاعمه وصراخه الأيديولوجي من على المنابر فقط، فإن بشار الأسد يسعى إلى أن يبرهن ويثبت عروبة سوريا وإسلام نظامه السياسي، على مقاسه الخاص، ليس بوساطة الدعاة ومن خلال منابر المساجد فحسب، وإنما أيضاً يستعين بالدبابة وأجهزة المخابرات والجيش، والبراميل المتفجرة، وخلايا المخبرين والبعثيين إذا اقتضت الحاجة. مفارقة سلوك هذا النظام الرئيسة تكمن في أنه طوال عقود من الاستبداد والقتل، حاربَ خصومه السياسيين تحت عنوان “محاربة إرهاب” الجماعات الإسلامية والدفاع عن الأقليات وحمايتها في سوريا.

اليوم، ينظِّر بشار الأسد ويتفلسف بطريقة فظّة وسطحية جداً عن عروبة سوريا وإسلامها أمام حشد من الأئمة المخبرين ورجال الدين المدجنين، ويلوي عنق التاريخ على هواه، كما يلوي الجلّاد عنق ضحايا معارضيه في أقبية سجونه وزنازين أفرع المخابرات لديه. كلاهما يمارس مهنته ويقوم بمهمته بإخلاص وهمّة، ولكلٍّ منواله الخاص.

الوجه الحقيقي لبشار الأسد، أقلُّ إثارةً وتشويقاً، أشدُّ قتامةً، وأكثر مدعاةً للاشمئزاز حين يتفاصح ويتفلسف في التاريخ وقضايا المواطنة والهوية، لأنه ببساطة الوجه الحقيقي لأكثر النظم السياسية قسوةً بحق المواطنة والتعددية والتاريخ.

  • القناع الثالث، شعبوي/ميليشياوي. يسودُ بإفراط في أوساط النخب المعارِضة. يفتقر كثيراً للأصالة الثقافية مثل بشار الأسد، سوقيٌّ بإمعان، يتعاطى انتقائياً مع التاريخ والمبادئ السياسية. معظم هؤلاء خرجوا من عباءة النظام ومؤسساته مثل الضابط السابق أسعد الزعبي، الذي لا يتقن سوى الابتذال السياسي في الثرثرة السياسية. والقليل منهم كانوا معارضين سابقاً أمثال الكهل المتأدلج هيثم المالح. ما يجمع هؤلاء مع فيصل القاسم هو المزايدة على الدم السوري. وأكبر دليلٍ على أن العقل السياسي والأخلاقي لهؤلاء لا يختلف عن ذهنية النظام هو أنهم لا يطمحون إلى التغيير الديمقراطي الجاد في سوريا، إنما فقط يريدون الإطاحة برأس النظام لأسباب طائفية ويبقون على ما دونه. هو أنهم لم يقوموا حتى الآن بأيّ نقدٍ لأيديولوجية البعث، ويلتزمون الصمت إزاء ممارسات البعث الفاشية، وصمتهم هذا برهانٌ على أنهم يريدون أن ينزِّهوا البعث من جرائم رأس النظام ولا يعتبرون حزب البعث شريكاً له في كل ما حصل، وهذا هو وجههم الحقيقي.

المفارقة الأخلاقية والسياسية الأخرى هي أن معظم صقور هذه المعارضة السورية الداعية والمحرِّضة على ضرب النظام من طراز هذه الفئة المقنّعة، كانوا في يومٍ ما إلى جانب نظام صدام حسين، وعملوا بكل طاقتهم لتبرير أو تبرئة استخدامه للأسلحة الكيماوية ضد الكرد في حلبجة. الأكثر تشدّقاً وصراخاً بينهم، وقف ضد الحملة الأميركية لضرب العراق وإسقاط نظام صدام حسين. هذه المفارقة ينبغي إظهارها الآن وتبيان حجم النفاق السياسي والكذب الذي ينطوي عليه سلوك هؤلاء. النظام أجرمَ، وكان ذلك متوقعاً منذ البداية. ولكن لا يمكنني بأيِّ حال فهم ردة فعل هؤلاء ضد إجرام النظام على أنه موقف أخلاقي وإنساني منسجم، ولا يمكنني أن أثق بأنهم ضد الاستبداد بالفعل.

هيثم المالح وأسعد الزعبي، سواء بسواء، يعيدان إنتاج موقف النظام من قضية التعددية والمساواة. إن آخر فتاوى الزعبي، وسبقه في ذلك المالح في مناسبات عديدة، هو تكفير كلّ من لا يقول بعروبة سوريا وإسلام هويتها, ولا يتنكّر لكل تاريخ التعددية القومية والتنوّع في سوريا.

سربست نبي

عن نورث برس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *