طالب إبراهيم يكتب: الموت الهولندي والجنازات الكوميدية

في حي هولندي قديم في أمستردام، اجتمع المشيعون ممن تلقى دعوة المشاركة لوداع السيد “.. فان در لوب”. لا يمكن لك أن تكون موجوداً، مهما بلغت صداقتك مع السيد “فان”، إذا لم تحصل على دعوة. هذا ما نقله لي صديقي المدعو.

كان التابوت في وسط الغرفة، ممدوداً، ومفتوحاً، ويظهر فيه السيد “فان” في أجمل بدلة رسمية له، يمسك باقة ورد، فيما تناثر بعض الورد أيضاً هنا وهناك.

تحدثت أولاً زوجة الفقيد. قالت: “نحن هنا للوداع الأخير لفان، لكن يجب ألا نحزن كثيراً، لقد تحدث معي أكثر من مرة حول ذلك”. ثم طلبت من المدعوين الحديث عن ذكرياتهم مع “فان”.

كان يقترب كل واحد من المدعوين، ويتحدث عن أكثر المواقف كوميدية حدثت بينه وبين الفقيد، وكان يضحك باقي المدعوين. وتوالت الأحاديث، وتوالى الضحك. وشرب المدعوون كؤوس النبيذ بنوعيها الأبيض والأحمر. ثم انتهى موسم الضحك ذاك حين تحدثت الزوجة من جديد، وقالت أن شركة “حرق” الموتى ستبدأ عملها بعد قليل.

أغلق موظفون في الشركة التابوت، وحملوه بكامل الاحترام، وخرجوا به إلى سيارة سوداء، كانت تنتظر في الخارج. لم يرافق السيارة أحد على الإطلاق. وكان يجب على من تبقى من الأسرة أن ينتظروا عودة أحد موظفي الشركة بعبوة زجاجية، تختصر بقايا حرق الجثة، ليتصرفوا بها.

قال صديقي أن الأسرة تلك كانت “هيبية”. والأسر الهولندية المسيحية تختلف كثيراً بطريقة وداعها للموتى، عن طريقة الهيبيين، لكن ما يميز تلك الأسر أيضاً هي مقاومتهم للبكاء، ومحاولاتهم الجادة في كتم مشاعرهم.

في عالمنا العربي، قد تتشابه الإجراءات العامة في التحضير للجنازة، وقد تختلف تفاصيل أخرى، حسب الدين، وحسب الطائفة، وحسب الشارع وحسب الأسرة. وحسب الميت أيضاً. لكل ميت خصوصيته. وتختلف درجات الخشوع بين ميت وآخر. قد يحضر خشوع عالي الدقة والوتيرة بحضور ميت، وقد يزول بحضور ميت آخر. لكن لا يمكن حرق الميت حتى الآن. عملية الحرق يختص بها من بيده الأقدار. وهي قادمة إذا كان الميت سلبياً في حياته الفانية، وقد لا تأتي إذا كان إيجابياً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *