ادلب.. إنها الحرب إذن!

دخلت قوات تركية إلى محافظة إدلب شمال غربي سوريا، ووصلت أعدادها قرابة ال 100 ألف جندي وضابط. وقبل ذلك، يقاتل بحذاء الجيش التركي عشرات آلاف المرتزقة، سوريون وغير سوريين، يتوزعون على ميليشيات جهادية مكشوفة، وجهادية مموهة، في حرب خطها الواضح رسم خارطة جيوبوليتيكية متفق عليها في الأستانة بالعام، وتبقى تفاصيل دقيقة يجب الانتهاء منها، قبل موعد ولادة حدود جديدة، تؤلف بين المتخاصمين، وتزيد توافقهما.

تنشر وكالات الأنباء العالمية والعربية والمحلية، أخباراً عن خلافات جوهرية روسية تركية، وتشير إلى احتمال انكسار العلاقة بينهما، ورجوع تركيا العميقة، إلى موقعها الطبيعي في حلف شمال الأطلسي، على وقع تصفيق أمريكي، احمرت أطراف جيمس جيفري المنسق الأمريكي في الملف السوري منه.

هل حقاً هي بداية الانشقاق الروسي التركي!

هل تفكر تركيا بالقذف بمصالحها الحيوية، المادية والمالية والغازية والتجارية مع روسيا، من أجل بضعة كيلومترات في الشمال الغربي السوري!

هل تفكر بالتخلي عن مصلحتها الحقيقية في تحقيق الاكتفاء الذاتي من خط الغاز الروسي، بحصولها على مادة الغاز من الخط مباشرة! هل تفكر بقطع التبادل التجاري والذي تخطت عتبته مليارات!

هل تفكر روسيا بالتخلي عن مشروعها الغازي، الذي تعتبره منقذها من الحصار الغربي، والذي كلف جهوداً كبيرة وأموالاً كثيرة، عبر الاتفاق مع الأتراك حوله، وعبر مده وحمايته والتواصل مع المستهلكين في أوروبا الشرقية منها والغربية، هل تفكر بالتخلي عنه، ومن أجل ماذا؟ من أجل الحفاظ على سورية إدلب، ووحدة المدينة والمحافظة سكانياً وجغرافياً، وانتمائها للوطن السوري المنقسم والمشوه والمأزوم والمباع!

هل يعتقد الرئيس السوري، المرتهن للقرار الروسي، أنه يستطيع متابعة المعارك، بجيش يفتقد العدد والعدة والعقيدة والخارطة والهدف والطريق!

الدول الكبيرة لا توقد الحروب فيما بينها مباشرة. لغة المصالح أكبر بكثير. وفي مسار السياسة المرتهنة للمصالح، يتم استبعاد كل المبادئ، وحضور مكيافيلي واضح وشفاف.

مكيافيلي أمريكي وآخر روسي وثالث تركي، ولا يغيب أبداً عن اللوحة مكيافيلي إيراني يتواجد في كل مفصل في المنطقة، يهدد بإثارة الحروب، ثم ينسحب إلى وكره، ليستعين بأطرافه العنكبوتية.

الحرب التي كان يجب أن تندلع في الفترة الماضية كانت بين أمريكا وإيران. لكنها لم تحدث. ولن تحدث.

لماذا؟ لأن وضوح المكيافيلين ألغاها.

هناك مصلحة أمريكية في انكسار العلاقة التركية الروسية، رسمتها كل الإشارات التي رشحت عن القيادة الأمريكية، في فترة الأزمة الأخيرة، من قبيل أطلسية تركيا، وتركيا هي الناتو، والناتو هو تركيا، وفي فترة الأزمة الماضية، حول تشريع الاحتلال التركي لمناطق في شمال وشرق سوريا، على حساب شركاء أمريكا في محاربة الإرهاب، وفي هزيمة داعش العائد إلى الحياة.

لكن “تركيا العميقة”، التي تستعمل اردوغان وحزبه الإسلامي، وجموع الجهاديين بكل منابتهم الفكرية والتمويلية، تعرف من أين يؤكل الكتف، وتعرف أن مصلحتها الحقيقية هي في استثمار علاقتها الأطلسية، واستثمار علاقتها مع معسكر روسيا في الإقليم.

وتعرف روسيا البوتينية، أن مصلتها فوق كل اعتبار، فوق سورية إدلب، وسورية سوريا، وسورية النظام، وتعرف أن الخلاف الروسي التركي اليوم، هو خلاف عائلي، حول عدد الأطباق في المائدة. لا أكثر.

طالب إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *