هنا هولندا

1 2 3 6

وحدة الصف الكردي.. من يجب أن يخاف!

اتفق حزب الاتحاد الديمقراطي “PYD” والمجلس الوطني الكردي “ENKS” على تقصير مسافات الخلاف بينهما، وتطويع الواقع القاسي، ورسم خارطة طريق لتوحيد الجهود الكردية، وتوحيد الصف، ضمن القيم الوطنية السورية، باعتبار سوريا موحدة ذات نظام حكم فيدرالي.
بعد 4 جولات من المفاوضات في شمال وشرق سوريا، وبوساطة أمريكية وفرنسية، والاتفاق على نقاط أساسية، تؤهل لمواجهة تحديات المنطقة والإقليم كمكون رئيسي وواحد، سارعت تركيا لإنتاج بديل عن المجلس الوطني الكردي في الائتلاف السوري المعارض، وأعادت إلى برنامج عمل هذا البديل عناوين عريضة حاربت بها الكرد في تركيا وإيران والعراق وسوريا، وتحارب بها اليوم على وجه الخصوص قوات سوريا الديمقراطية ومشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.
سارعت لتجهيز “رابطة الكرد المستقلين” كبديل عن المجلس الوطني الكردي في الائتلاف السوري المعارض الذي ترعاه وتأمره وتجنده، في إشارة تدعو للرثاء على تبعية هذا الائتلاف، وتبعية هذا البديل.
وسارعت لتشكيل فريق عمل عربي تحت عنوان ائتلاف عشائر وقبائل المنطقة الشرقية في الرقة وفي دير الزور والحسكة، وجمعت لهم نخب ثقافية وسياسية تقيم في استانبول، في إشارة تدعو للخيبة من ارتهان شخصيات وتجمعات عربية “استانبولية” للقرار التركي.
وتحدث وزير خارجيتها تشاويش أوغلو أنه طلب من قيادات في المجلس الوطني الكردي رفض أي اتفاق مع حزب الاتحاد الديمقراطي، وقوات سوريا الديمقراطية، مستعيناً بدلالات دولته الفاشية في إلحاق “قسد” بالعمال الكردستاني، وما يستتبع ذلك من مفردات.
تخشى تركيا أي تقارب كردي كردي، فكيف إذا كانت القضية هي وحدة الصف الكردي، سيما في الفترة التي تعاني فيها، من أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية متلاحقة.
ويخشى النظام السوري من أي تقارب كردي كردي، لأنه يغلق عليه نافذة ابتزاز الطرفين الكرديين، واللعب على خلافاتهما، ويغلق أبواب استعمال الخلاف في مفاوضاته الإقليمية، ويفتح بوابة واسعة لتشكيل أقوى تكوين سياسي واجتماعي في سوريا، سيساهم في انهيار آليات حكمه المستوطنة منذ أكثر من 50 عام.
وتخشى إيران وحدة الصف الكردي، لما له من أثر تفاعلي على مسار القضية الكردية في إيران، ومسار حركة النضال الكردية الطويلة والقاسية في هذه البلاد الرجعية المغلقة.
ثلاثة أنظمة تخشى من وحدة الصف الكردي، وثلاثة قوى ستبذل قصارى جهدها للحؤول دون نجاح المفاوضات، حتى لو اضطرت إلى القيام بعمل عسكري أو أمني أو سياسي كبير، يعيد الشقاق إلى الشارع الكردي.
وحدة الصف الكردي غير موجهة تجاه أي مكون آخر في المنطقة، لا المكون العربي ولا المكون السرياني، ولا غيرهم من المكونات الأخرى، ويفسر ذلك المشروع الديمقراطي السوري الذي بني على أسس اجتماعية وسياسية وحقوقية في شمال وشرق سوريا.
وإذا استطاع الكرد الاتفاق على مشروع سياسي في المنطقة، في هذه المرحلة الخطيرة والغنية بمختلف أنواع الصراعات في الإقليم، فيجب على المكونات العربية والسريانية وباقي المكونات الاجتماعية السورية الأخرى، العمل أيضاً على توحيد صفوفها أو على الأقل توحيد مواقفها، فيما يخدم القضية السورية، ويرسم أنظمة تعيد القوة والقرار إلى السوريين.
على المكون العربي بوجهائه وعشائره وقبائله وشخصياته، أن يخلق مرجعية واضحة تعيد أبناءه العاملين كمرتزقة لدى الجيش التركي المحتل، أو كسلاح لدى النظام المنهك.
وحدة الصف الكردي إذا نجحت، قد تعيد بناء الأولويات السورية، وتعيد ترتيب الإقليم، وتفتح مساحة لتغيير معادلات الأزمة السورية وبالتالي الحل، وهي المهمة الصعبة والخطيرة، لأن أعداءها كثيرون.

طالب إبراهيم

الأسد.. خيار روسي أم إيراني!

اعتبر ضابط الأمن السوري السابق بهجت سليمان، أن قناة روسيا اليوم هي نسخة عن قناة الجزيرة وقناة “العبرية” ويقصد “العربية”، وكان صديقه الدرعاوي، وعضو مجلس الشعب خالد العبود، قد هدّد بوتين من غضب الأسد.
هاجمت الصحف الروسية الرئيس السوري في فترة سابقة، وفضحت فساده وفساد زوجته، في إشارة فهمها بعض المعارضين أن ساعات الرئيس السوري في السلطة باتت معدودة، قبل أن يتحدث الرئيس الروسي في لقاء مطول، حول سياسة روسيا الخارجية، ومعرّجاً على سوريا بقوله، كان يجب على الرئيس السوري أن يقوم بإصلاحات لكنه لم يفعل.
ضمن نفس السياق، تخفى رامي مخلوف مؤخراً، رجل أعمال “مال السلطة”، وقريب الأسد، وجامع مال سوريا بسبب نفوذه ونفوذ عائلته السلطوي، ونشر بعض غسيل “الخلاف الوسخ” مع السلطة، التي يمثل أحد أطرافها، في الميديا، وهدّد الأسد واستجداه، واعتبر محللون أن الانشقاق الحاصل في العائلة السورية “المالكة” سببه، تنازع الولاء بين طرفين رئيسيين في الحكم، طرف يميل إلى إيران والآخر يميل إلى روسيا. وحاول رامي أن يركب الموجة الروسية، سيما أن والده يعيش في روسيا منذ تقليم أظافره السلطوية.
أنشأ الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، علاقات توزيع الثروة والسلطة وفق برنامج دقيق، قانون ثابت في الجوهر، مرن في الشكل، يحافظ فيه على ولاء عوائل السلطة، وعوائل المال، وداخل هذا البرنامج- القانون، نمت علاقة قوية كان جذراها عائلتي آل الأسد- وآل مخلوف. علاقة تربط نفوذ أقوى عائلتين داخل هرم السلطة الأساسي، عائلة الأسد الرئيس، وعائلة زوجته.
انتهت هذه العلاقة بوفاة زوجة مؤسس قانون النظام، وبظهور زوجة الوريث، “أسماء الأخرس” شخصية متنفذة في مركز صنع القرار، ولأن السلطة تعني فيما تعنيه، تطبيق البرنامج- القانون، يبدو واضحاً لدى “آل الأخرس” أن يحلّوا بديلاً عن “آل مخلوف”، الذين فقدوا أي مركز حقيقي لهم في السلطة- النظام، لذلك خلاف رامي مخلوف اليوم، لا يدخل ضمن صراع النفوذين الروسي والإيراني داخل القصر الجمهوري، وإنما خلاف حول تطبيق برنامج الهيمنة الذي أنشأه المؤسس، وعلى “آل مخلوف” الطرف الضعيف في العلاقة- القانون، أن يخرجوا من الصورة.
استطاعت روسيا أن “تحرّر” الأسد، فقد كان محاصراً في دمشق، وكانت قذائف ميليشيات الغوطة تهطل على العاصمة السورية كل يوم، وكان الساحل والوسط والجنوب مطوّقاً، قبل أن تحقق الترسانة العسكرية الروسية انتصاراً، وتتابع الترسانة السياسية جولات انتصاراتها لتوسيع نفوذ الأسد، لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم.
انتصر بوتين على الميليشيات السورية، بعد أن جرّب أكثر من 200 سلاح روسي في الساحة السورية، ساحة الحرب الحقيقية، والتي كان من الصعب تجريب هذه الاسلحة في مكان آخر. ووسّع دائرة نفوذه في الشرق الأوسط، وأعاد هيبة روسيا في الساحة الدولية نسبياّ، بعد أن فرضها في الشيشان وجورجيا واوسيتيا والقرم.
حصل على نافذتين مهمتين في الغرب السوري، نافذة طرطوس البحرية ونافذة حميميم الجوية. وحصل على الفوسفات السوري، ويسعى للحصول على ورقتي الغاز والنفط، وغير بعيد عن ذلك حصوله على شركات الخليوي، بعد أن انتشرت شركاته الاقتصادية في مفاصل السلطة السورية، وفق تدرّج هادئ. وعقود إعادة الإعمار في متناول اليد العسكرية، ويبقى الكثير من العمل لديه في الأروقة الدولية لتنفيذ جوانبها الاقتصاددية.
لكن بهجت سليمان والعبود يغردان خارج الواقع. رجلان يعملان اليوم في المربع الإعلامي الطرفي، من المربعات الأمنية للنظام السوري، يضعان روسيا في خانة الأعداء، ويحثانها على إعادة هيكلة إعلامها وجيشها، وعدم إخراج العملاق السوري من قمقمه.
وجود أكثر من حليف وشريك للنظام السوري، عامل قوة له، سيما إذا كان حجم التناقض بينهم كبير، كما هي الحال اليوم في حليفيه الروسي والإيراني، فهو على الأقل سيكون أمام خيارين، إلا إذا اتفق الخصمان عليه، وهذا يبدو عصياً على التطبيق اليوم، بسبب اختلاف الأجندة الروسية الإيرانية، وديناميكة الاحتمالات، وأولوية المصالح وثانوية القيم. فإذا كانت غاية النظام السوري هي الحفاظ على ذاته، أمام كل الخيارات المتاحة، والاحتمالات الواردة، والتحالفات الحرجة التي سيخوضها، تبدو الأرض والسيادة والإصلاح والتغيير وكل المصطلحات داخل هذه الدلالات المضنية، قابلة للمدّ والتقصير.

طالب إبراهيم

رامي مخلوف يستجدي الأسد!

في فيديو منشور في صفحته في الفيس بوك، يطلب رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، من الرئيس السوري إعادة النظر في قضية شركاته وأعماله وثرواته وخدماته. ويستجدي ويترجى الأسد، ويطالب بكف البلاء عنه وعن موظفيه الفقراء.
يظهر رجل الأعمال ضعيفاً، رجل الأعمال الذي استطاع امتلاك سوريا اقتصادياً ومالياً، الذي حوّل سوريا أرضاً وشعوباً في خدمته وفي خدمة مصالحه وثروته وسلطته وأحلامه، وبقدرة السلطة التي منحه إياها النظام السوري ذاته، حتى بات أحد أهم أركانه على الإطلاق، والذي كان يطلق عليه، رجل أعمال “مال السلطة”.
ماذا يحدث في سوريا؟ من يناجي من، ومن يترجى من، ومن يطلب ممن؟
أي صراع تشهده “مملكة سوريا”، وبين من ومن؟
نشرت صحف روسية منذ مدة، تقارير تفضح فساد “أسماء الأسد”، زوجة الرئيس السوري، وفساد الرئيس ذاته، ونشرت تقارير سابقة، تتحدث عن خلافات مالية وربما “سياسية” بين أركان النظام أو أجنحته كما يفضل البعض أن يصفها، وأظهرت أن الخلاف بين الأسد وخاله محمد مخلوف، والد رامي مخلوف. ونشرت أيضاً تقريراً مفصلاً، أن الرئيس الروسي بوتين، يشعر بصداع كبير من الأسد، قبل أن يستنتج التقرير أن معالجة الصراع تكون بإزاحة الأسد.
يعيش محمد مخلوف في روسيا منذ فترة طويلة، وهو على علاقة طيبة مع أوساط متنفذة روسية، أو على الأقل مع صحف روسية، والتي تعود ملكيتها إلى متنفذين روس. ورجح مراقبون أنه هو خلف تسريب فضائح وفساد النظام السوري إلى الصحف والمواقع الروسية، والتسريب جاء على خلفية مصادرة أملاك وشركات ابنه رامي في سوريا، وتقليص نفوذه، وربما محاسبته.
يشرح فيديو رامي مخلوف حجم الشقاق بينه كمدير تنفيذي وإداري وسلطوي لشركاته وأملاكه وتاريخة من جهة، وبين الرئيس السوري قريبه وشريكه في العائلة والسلطة والثروة من جهة أخرى. والشقاق الكبير وصل لمرحلة، يعجز فيها مخلوف عن مقابلة الأسد، فيعتمد طريقة الناشطين الفيسبوكيين، لإيصال رجائه واستجدائه وسيلة “الفيديو” كملجأ أخير، ربما يشاهده الأسد وهو يتابع صفحات الفيس بوك من القصر الجمهوري.
هل هي الخطوة الأخيرة في تغيير وجوه النظام، والحفاظ على النظام؟
هل صداع بوتين من الأسد، يعني فيما يعنيه، معالجة الصداع بطريقة روسية، تؤول إلى إزاحة الأسد عن السلطة، والحفاظ عليه خارجها؟
هل الخلاف في هرم السلطة السورية اليوم، هو محاولة حثيثة لتجميع الثروة في يد واحدة، بدل أن تكون في أيدي مختلفة؟
أم أن القصة ليست آكثر من تغيير وجوه جامعي الثروة السورية، المستندة إلى السلطة، في البيت الواحد؟

طالب إبراهيم

ترامب بوتين اردوغان.. تجاذب وتشارك!

يتسارع مخطط الاستيطان في المناطق المحتلة من الشمال السوري، عشرات العوائل التي قبلت بأن تستوطن دار وأرض الكردي الذي تم قتله أو تهجيره من قبل الجيش التركي على المساحة الممتدة من عفرين وحتى سري كانيه (رأس العين ).
في رحلة تتجه من داخل الأراضي التركية لتصل بهم إلى الجنة التي وعدهم بها أردوغان، (الجنة) التي تجري فيها أنهار من الدم، أراقها العدوان الهمجي التركي مع مرتزقته السوريين، لتأخذ مساكن وأراضي الأمهات الثكلى والأطفال الذين دفنوا تحت أنقاض البيوت المدمرة وصراخ المسنين الذين لم يستطيعوا الهروب من قنابل تساقطت عليهم من البر والجو، في عملية تغيير ديمغرافي واضحة؛ لقطع أوصال الأهل والأقرباء الذين يعيشون على طرفي الحدود السورية التركية المرسومة بينهم بعد الحرب العالمية الأولى، وإنهاء الوجود الكردي فيها، الوجود الذي يمتد جذوره آلاف السنوات عبر التاريخ.
لا غرابة في ذلك إذا عدنا قليلا إلى الوراء، وبحثنا في تاريخ المنطقة التي تعرضت لعمليات مشابهة منذ ما سمي بالاستقلال، وحتى الآن.
حاولت الحكومات السورية منذ الوحدة مع مصر وإلى وقتنا الحالي دفع الكرد للهجرة، وتفريغ المنطقة منهم، وتسارعت الخطط مع استيلاء حزب البعث على السلطة، حين استولى على الأراضي الزراعية لعشرات الآلاف من العوائل الكردية تحت عنوان الإصلاح الزراعي، الذي كان أحد أهدافه الأساسية دفع تلك العوائل الى ترك المنطقة، والبحث عن مورد للعيش في مناطق أخرى.
ظهر المخطط جليا ابتداء من عام 1973، عندما بدأ توطين الآلاف من العوائل الذين تم جلبهم من محافظة حلب والرقة، وزرعهم في المنطقة المسماة بخط العشرة، الممتدة من عين ديوار على نهر دجلة وصولا إلى سري كانيه “رأس العين”، في عملية تغيير ديمغرافي واضحة المعالم، أدت إلى هجرة عدد كبير من العوائل الكردية الى المدن السورية الأخرى، بحثا عن لقمة العيش بعد أن تم مصادرة “الاستيلاء” على أراضيهم الزراعية، لكن هذه العملية لم تنجح في إفراغ المنطقة من الغالبية الكردية، كما كان مخطط لها من قبل حزب البعث، بالرغم من قلة فرص العمل والظروف المعيشية الصعبة للكرد فيها، لكنهم حافظوا على بقائهم فيها، مما أفشل جزئياً مخطط القوى العنصرية في هرم السلطة السورية.
مع بدء الثورة السورية تأملت العوائل المتضررة من المخططات المذكورة آنفا، في عودة الحق إلى أصحابه، من خلال إعادة الحقوق والأراضي المغتصبة، ولهذا شاركت بفعالية في تعزيز تحرير المنطقة ومن ثم حمايتها من خلال وحدات حماية الشعب والمرأة ومن ثم قوات سوريا الديمقراطية، القوة التي قضت على تنظيم داعش، وعلى ما سمي بدولة الخلافة.
لكن هذا الأمر لم يرق للقوى الشوفينية العنصرية العربية والتركية، وتحولت الثورة الى أداة في يد تركيا لتضرب مكتسبات سوريا عامة، وشمال شرقها خاصة، من خلال هجمات مستمرة بدأت في 2012 في تل أبيض “كرى سبي” وبعدها سري كانية “رأس العين”، واستمرت إلى احتلال جرابلس واعزاز ومن ثم عفرين وكري سبي, وسري كانيه.
وبدأت قوات الاحتلال التركي مع مرتزقة سوريين، بتغيير ديمغرافية المنطقة المذكورة، وتدمير أوابدها التاريخية، وفرض اللغة والثقافة التركية، وتوطين عوائل المرتزقة والمهجرين، الذين جُلبوا من المناطق التي كانت “محررة” في الغوطة وغيرها، والتي سلمت للنظام السوري، من أجل الحصول على سكوته وموافقته على الخطط الإجرامية التركية التي يتم تنفيذها في الشمال السوري.
والغريب هنا، أن يعتبر من هُجّر من داره في حمص ودمشق ودرعا وحلب وبقية المناطق التي خضعت لـ”المصالحات” له الحق المشروع في استيطان دار وأرض وتاريخ من تم تهجيرهم عنوة في عفرين وفي سري كانيه وكرى سبي.
الاستيطان السوري الجديد اليوم، يندفع بالتغني بعطايا أردوغان، الذي دفعه الى الهجرة عن أرضه وداره في الجنوب، لتحقيق أهداف الميثاق الملي التركي، عبر القضاء على السكان الأصليين للمنطقة، وتهجيرهم، وقتل من يعترض، أو خنقه أو التنكيل به في السجون.
بالعودة الى الأهداف التركية في سوريا، فقد تم تنفيذها بأدوات سورية، ورضى ودعم أمريكي وروسي، من خلال انسحاب الطرفين من مناطق تمركزهما، وترك قوات سوريا الديمقراطية في مواجهة القوة الثانية في حلف الناتو، والمعززة بعشرات آلاف المرتزقة السوريين الإرهابيين.
هل حقق أردوغان أهدافه؟
فتح ترامب لصديقيه بوتين وأردوغان المجال لتحقيق أهدافهما في سوريا، هذه حقيقة لا جدال فيها.
فقد رسخ بوتين نفوذه في سوريا المفيدة، ورسخ أردوغان احتلاله للشمال، وفي المناطق الكردية.
بقي خلاف بسيط بين الشريكين الروسي والتركي وهو الاتفاق على حصص البترول.
أردوغان يطالب بوتين بعد سيطرة الأخير على كامل الاقتصاد والسياسة السورية بحصة من عائدات البترول لاستكمال الاستيطان وسلخ كامل الشمال وشمال شرق- إذا استطاع السيطرة عليه كاملاً.
روسيا مترددة في الموافقة على طلب أردوغان، لسببين:
الأول بسبب وجود صعوبات كبيرة في أن تستطيع فرض سيطرتها على كامل شمال شرقي سوريا، بسبب وجود قوة نظامية مقاتلة، ولا ترغب في خلق عداء معها في الظرف الحالي.
والسبب الآخر عدم ثقة بوتين بالإدارة الأمريكية في موضوع الانسحاب من مناطق الإدارة الذاتية.
ومع زيادة وتيرة الاستيطان، والتغيير الديمغرافي في المناطق المحتلة، يلفّ الغموض مصير المنطقة ككل بسبب التجاذبات الروسية الأمريكية فيها، وافتقار الجانب الأمريكي لخطط واضحة ترتبط بمستقبل تواجده.
يحاول بوتين إقناع صديقه ترامب بالانسحاب الفوري، خاصة أن عين أردوغان تنصبّ على المناطق التي مازالت القوات الأمريكية منتشرة فيها، من رميلان وحتى ما قبل الشدادي، لأنه يعتبر أن المناطق الممتدة بعد ذلك، تخص الحصّة الروسية.
إذا تحقق لأردوغان ذلك، فإن الخط الممتد الى الموصل وكركوك وكامل إقليم كردستان العراق، والمنصوص عليه في الميثاق الملّي، يصبح في متناول اليد، مع وجود أكثر من 20 قاعدة عسكرية موزعة في مناطق متفرقة من باشور.

حسين عمر

القضية الكردية.. ملامح وآفاق!

من المعهود القول، إن الحاضر يحدده الماضي وهو نفسه يرسم ملامح المستقبل، لذا فإننا في محاولة فهم سياق كفاح الشعب الكردي وأيضاً المخاطر والصراعات التي تجتاحه وتجتاح المنطقة، وبالأخص مخاطر نزاعٍ كردي – كردي في إقليم باشور كردستان، نحتاج لرسم بعض المحطات لنضاله وعدد من محددات وضعه وآفاقه، بإيجاز شديد.
يعد الشعب الكردي الذي يقدر بنحو أربعين مليون نسمة من أكبر شعوب المنطقة (والعالم) الذي ليس له دولة، ويتوزع تواجده على عدة دول أهمها تركيا وإيران والعراق وسوريا، فقد قامت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بإعادة رسم خريطة بلدان المنطقة، وتقاسم النفوذ فيما بينها، كما استكملت ذلك بعد الحرب العالمية الثانية.
برزت دول جديدة بحدود حددتها ورسمتها اعتباطاً قوى الهيمنة العالمية بدون أن يكون لمطالب ومصالح شعوب المنطقة دور يذكر.
وبكل الأحوال، فإن الشعب الكردي لم يحظَ بدولة له رغم وعود واتفاق الدول الكبرى في ذلك الوقت على ذلك.
شهد تاريخ الشعب الكردي ثورات وانتفاضات عديدة من أجل إقرار حقوقه القومية أهمها جمهورية مهاباد في إيران عام 1946، والتي دامت أقل من عام، وهو العام الذي شهد فيه تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الملا مصطفى البرزاني، ليصبح هذا الحزب هو القيادة السياسية والجماهيرية للحركة القومية الكردية في كل أجزاء كردستان ولعقود من الزمن، وبالتحديد لغاية منتصف السبعينات من القرن الماضي.
حصل انشقاق فيه في حزيران/ يونيو عام ١٩٧٥ بقيادة جلال الطالباني، عقب تراجع الثورة الكردية وانكسارها في آذار/مارس من نفس العام.
وتوالت انشقاقات عدة وتشكلت أحزاب عديدة من رحم هذين الحزبين وسمت الحركة السياسية في كل أجزاء كردستان.
كان للوضع السياسي والاقتصادي – الاجتماعي والثقافي في تركيا خصوصيته، حيث أن النقاشات السياسية والايديولوجية المكثفة ونهوض واسع للنضالات الجماهيرية ولليسار في تركيا حددت شروط بزوغ حزب العمال الكردستاني الذي أعلن عن تأسيسه في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٧٨، بهوية يسارية جذرية واضحة ومتميزة عن الحزبين القوميين السابقين، ولم يكن ذلك الحزب بقيادة عبد الله أوجلان نابعاً منهما، أو انشقاقاً عنهما، كما كانت عليه غالبية الأحزاب الكردية.
وهكذا أصبح للحركة القومية الكردية ثلاث قيادات سياسية وأيديولوجية متمايزة: الحزب الديمقراطي الكردستاني -البارازاني (الذي بقي الأهم لغاية منتصف الثمانينات من القرن الماضي، ليقتصر بعدها هيمنته على إقليم باشور كردستان بشكل أساسي)، وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني- الطالباني (الذي اقتصر نفوذه السياسي على جزء من إقليم كردستان العراق أساساً)، وحزب العمال الكردستاني (مع الأحزاب الشقيقة له التي تشاركه الأيديولوجيا) أصبح الحزب الأقوى سياسياً وتنظيمياً في صفوف الشعب الكردي في معظم مناطق تواجده، ليصبح الحزب الأقوى في كل أجزاء كردستان، باستثناء كردستان العراق، الذي يشكل فيها القوة السياسية الثالثة الأهم وزناً وتأثيراً.
لكن واقع الحال اليوم يشير إلى أن القيادة السياسية الجماهيرية للشعب الكردي في عموم مناطق كردستان تعود لحزب العمال الكردستاني (بمنظومته الأيديولوجية، بشكل أدق)، مع خصوصية وضع إقليم كردستان العراق الذي أشرنا إليه أعلاه.
التوازن الهش بين القوى السياسية الكردية والتدخلات الخارجية تحدد ملامح الوضع في الإقليم
جرى في عام 1980 انقلاب عسكري في تركيا، وقامت دكتاتورية عسكرية دموية عملت على القضاء على كل القوى المعارضة ولا سيما اليسارية ومن بينها حزب العمال الكردستاني، فتبنت العديد من القوى اليسارية التركية الكفاح المسلح في مواجهة الدكتاتورية العسكرية الدموية (قدر عدد المعتقلين السياسيين حينئذ بنحو 650ألف معتقل/ة وفر خارج تركيا حوالي 30 ألف مناضل/ة وسقط تحت التعذيب أو الإعدام المئات)، بينما تبنى حزب العمال الكردستاني هذا الشكل النضالي عام 1984، لتفتح دورة دموية من المقاومة المسلحة وعنف الدولة التركية.
منذ التسعينات من القرن الماضي، تحول حزب العمال الكردستاني، وأحزابه الشقيقة، إلى الحزب الأكبر والأقوى في الحركة القومية الكردية في كل من تركيا وإيران وسوريا.
أما في كردستان العراق، فقد ارتسمت ملامح وضع أكثر تعقيداً، من جهة، كان هناك عنف الدولة البعثية ضد الحركة القومية الكردية بشقيها الطالباني- البارزاني، وأحياناً تتحالف السلطة البعثية مع هذا ضد ذاك، إضافة إلى اشتباك متواتر بين هذين القسمين (الطالباني – البارزاني) على النفوذ والهيمنة في إقليم كردستان العراق، كما تدخلت كل من تركيا وإيران في هذا الصراع بشكليه المباشر أو غير المباشر، ضد كلا القسمين أحياناً، وغالباً مع هذا الطرف الكردي ضد الآخر، من جهة أخرى.
وفي صراع النفوذ المذكور الذي كان عنيفاً في أحيان كثيرة، توصل الطرفان الكرديان إلى نوع من التفاهم على تقاسم النفوذ في إقليم كردستان العراق بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب الأهلية الكردية دامت من عام 1994 إلى عام 1997، خلّفت آلاف القتلى والجرحى.
وبهذا الاتفاق يسيطر الاتحاد الوطني الكردستاني- الطالباني على جنوب -شرق إقليم كردستان، وله حدود وعلاقات اقتصادية وسياسية مع إيران، ويسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني- البارزاني على شمال-غرب إقليم كردستان، وله حدود وعلاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع تركيا.
أدى اتفاق السلام بين حزب العمال الكردستاني وحكومة العدالة والتنمية في تركيا عام 2013، إلى الاتفاق بين الطرفين على خروج مقاتلي حزب العمال إلى جبال قنديل في إقليم كردستان العراق، بموافقة الطرفين الكرديين في الإقليم.
وبذلك أصبح شرعياً ومتوافقاً عليه وجود مقاتلي حزب العمال الكردستاني في الاقليم، وعزز من ذلك تواجده سياسياً، إذ أنه تحول إلى القوة السياسية الثالثة الأقوى في إقليم كردستان العراق.
هذا التوازن الهش بين القوى السياسية الكردية الثلاثة الأهم في إقليم كردستان العراق (الطالباني- البارازاني- العمال الكردستاني) مع تدخلات القوى الإقليمية ولا سيما تركيا وايران (وأيضا الولايات المتحدة التي احتلت العراق عام2003 ) هي ما يحدد ملامح الوضع هناك وصراعاته وأزماته وآفاقه.
وإن كان من حاجة لتوصيف الطبيعة الأساسية لكل من هذه القوى السياسية الكردية الثلاثة، يمكن القول، بشيء من الاختزال، بأن الطابع العائلي- العشائري يطغى على الحزب الديمقراطي الكردستاني- البارزاني، وأن الطابع العائلي -السياسي يطغى على حزب الاتحاد الوطني الكردستاني- الطالباني، وأن الطابع السياسي- الأيديولوجي هو السمة الحصرية لحزب العمال الكردستاني.
الهدف من التحشيدات الأخيرة للحزب الديمقراطي الكردستاني
أقام نظام أردوغان ما يزيد عن 27 قاعدة عسكرية في إقليم كردستان العراق، بينما أقر بن علي يلدرم، رئيس الوزراء التركي السابق في مؤتمر صحفي ببغداد في يونيو/حزيران 2018، بوجود 11 قاعدة عسكرية، وقال: “قمنا بإنشاء 11 قاعدة عسكرية وضاعفنا عدد جنودنا وقواتنا في تلك القواعد لمطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني”، معظم هذه القواعد العسكرية التركية أقيمت لتحقيق ثلاثة أهداف، أولها ضرب مقاتلي وقيادات حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، وثانيها، تعزيز وإدامة النفوذ والتواجد التركي المباشر في الإقليم عبر حضوره العسكري المباشر، وثالثها، ثانوياً، دعم حليفه، أي الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارازاني)، في وجه خصومه السياسيين الآخرين.
لم يدم اتفاق السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية طويلاً، إذ أنه ترنح بعد نحو عام من توقيعه، وانتهى ليعود حرباً شاملة يشنها النظام التركي ضد المناطق الكردية منذ صيف عام 2015، بهدف “سحق الكرد” كما عبّر عن ذلك مسؤولون أتراك.
ومنذ ذلك الحين لم تتوقف العمليات العسكرية التركية ضد مواقع ومقاتلي وكوادر حزب العمال الكردستاني، وأغلبها تشن من داخل القواعد العسكرية التركية المتواجدة في إقليم كردستان تحت رعاية وبصر قيادة أربيل (الديمقراطي الكردستاني)، التي إما أنها تدعم ذلك، أو أنها تذعن للضغوط التركية.
بيد أن التحشيدات العسكرية الأخيرة لقوات البيشمركة التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني (أربيل) أتت لمحاصرة مناطق جبال قنديل ولتوسيع مساحة سيطرتها بذلك على حساب مناطق تعدّ تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني (السليمانية)، هذا ما ينذر باندلاع حرب أهلية كردية- كردية، مرة أخرى، لكنها ستكون هذه المرة باهظة الأثمان للشعب الكردي عموماً ومدمرة لقضيته ومستقبله، ولن تخدم أحداً سوى أعداء الشعب الكردي من الأنظمة المتحكمة بمصيره، أو بعض الشرائح الفاسدة منه، وستبدد إن اندلعت، مكتسبات عدة للشعب الكردي، ظفر بها بعد عقود طويلة من الكفاح والتضحيات الهائلة.
ولذلك، يجب إدانة هكذا حرب ومنعها، لأنها حرب مناهضة لمصالح الشعب الكردي ومناهضة لقضيته في التحرر الشامل، وتصب في مصلحة النظام في تركيا أولاً، وأيضاً في إيران ودمشق وبغداد، هذه الأنظمة التي تعادي الحقوق القومية للشعب الكردي، ومنها حقه المشروع في تقرير مصيره بكل حرية، وهي، أي هذه الحرب، لن تؤدي سوى إلى إعادة ومفاقمة هيمنة هذه الأنظمة على الشعب الكردي، أكثر من السابق، وسيكون من نتائجها الأخرى إنها ستضعف إلى حد كبير حركات تحرر الشعوب في عموم المنطقة، وتوجه لها ضربة موجعة. لذلك فإنها حرب رجعية بامتياز.
وحدة كفاح شعوب المنطقة ضروري كشرط للانتصار
أعطت السنوات العشر الماضية من الانتفاضات والثورات عدداً من الدروس الهامة، مؤكدة، في الوقت عينه، على عدد من الحقائق التي تتجاوز الإطار النظري الرغبوي الصرف، لكونها تعبر عن وقائع موضوعية يصعب الانفكاك منها.
والحال، فإن بلدان شرق المتوسط تشكلت، كما سبق أن ذكرنا أعلاه، ورسمت حدودها بتوافق بين الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، ولم تكن تلك الحدود مجرد استجابة لمعطيات تاريخية أو قومية، بل كانت بالأحرى تستجيب لموازين القوى بينها وإلى تنازلات متبادلة وصفقات فيما بينها، حتى استقرت حدود هذه الدول بالشكل الذي نعرفه.
بهذا تشكلت هذه الدول “الوطنية المستقلة” وهي تحمل في طياتها مظالم قومية وأثنية وتاريخية وارتباك في الهوية تنتظر ساعة انفجارها، بخلاف حالة الدولة في مصر، مثلاً، وهي دولة نهرية مركزية منذ غابر الزمن.
في المقابل، ولن نحتاج إلى جهد كبير لإقناع أي كان به، إن أي حدث في أي بلد من بلدان شرق المتوسط يجد ارتداداته في عموم البلدان (الإقليم)، بل وعلى صعيد أوسع وعالمي، والعكس صحيح.
لتوضيح ذلك، لنأخذ سوريا مثالاً، فإنه عندما اندلعت الثورة الشعبية في سوريا في آذار/مارس 2011، إنما أتت، في جانب منها، في سياق ثورات تعم المنطقة، وأيضاً عندما جاءت هزيمتها، فإنها جاءت في سياق انتصارات الثورة المضادة في أكثر من بلد من بلدان المنطقة.
من جهة أخرى، ما إن قامت الثورة في سوريا حتى وجدنا الدول الإقليمية كلها –تقريباً- تتدخل في الوضع السوري، إيران مع النظام، وتركيا مع فصائل إسلامية جهادية ومعارضة تابعة لها. والطرفان يتدخلان عسكرياً في بلادنا، كل من أجل مصالحه ونفوذه، فقط وليس من أجل مصالح الشعب السوري، إذن، لم تتوان الدول الإقليمية لحظة واحدة في التدخل في الوضع السوري، طالما أن مصالحها واستقرارها يتطلبان ذلك.
في جانب آخر، نجد أن الثورة الشعبية السورية، رغم ما حل بها من هزيمة لاحقاً، أدت من خلال إضعافها للنظام الحاكم، إلى إفساح حيز لحركة التحرر الكردي المنظمة والواعية أن تتخلص -إلى حد كبير- من الاضطهاد والقهر والتمييز العنصري الذي عانت منه من النظام الحاكم في دمشق لزمن طويل، وتبنى اللبنات الأولى لمشروع متميز هو الإدارة الذاتية.
يمكننا أن نأخذ إقليم كردستان العراق، أو إيران، أو تركيا، أو لبنان، أو فلسطين أو… لنجد بأن نضال الشعوب التحرري في هذه المنطقة مترابط عضوياً، وتأثيراته متبادلة سلباً أم ايجاباً، مثلما تؤكد الوقائع والأحداث بأن تحرر أي شعب في أي بلد منها لن يجد في مواجهته نظامه الحاكم وحده، بل عدداً من الأنظمة المحيطة ببلده، وبالأخص الدول الإقليمية.
هناك إذن، خندقان متلاحمان ومتواجهان، خندق شعوب المنطقة، في مقابل خندق الأنظمة الحاكمة والطبقات المالكة.
وحدة نضال الشعوب التحرري في منطقتنا، بل وأبعد منها، ليست ترفاً، إنها ضرورة تحتمها علينا الوقائع الموضوعية والتاريخية، وضرورة حشد متطلبات الانتصار، وتجاهلها أو التفريط بها يجعل من الهزيمة احتمالاً أكبر.
هذا يفسر والأمثلة متوفرة بكثرة، كيف أن النظام التركي بقدر ما هو نحى نحو التدخل العسكري في سوريا لصالح قوى رجعية وظلامية، بقدر ما أن ذلك تطلب منه نزوعاً استبدادياً داخل تركيا نفسها، لقمع الجماهير والأحزاب المعارضة في تركيا، لأن احتجاجات شعبية ومعارضة داخل تركيا نفسها ستعيق، إن لم تكن ستمنع، سياساته العدوانية والتوسعية في بلادنا، ويمكن قياس ذلك على بقية الدول الإقليمية… ما يجعل من فكرة أن انتفاضة شعبية في عموم المنطقة هي القادرة على تحرير شعوبنا حقاً.
هناك، إذن، ترابط وتشارك واضحين، أكدته الأحداث المكررة، في المصالح والمصير لشعوب المنطقة في نضالها المديد من أجل حريتها وكرامتها والعدل الاجتماعي.
في هذا الاطار، إذا نظرنا إلى القضية الكردية، فإن الموقف الأممي يعني الإقرار ودعم حق الشعب الكردي، في تقرير مصيره بكل حرية، ومنها حقه في إقامة دولته المستقلة: كردستان ديمقراطية موحدة.
ذلك لا يتناقض على صعيد عملي يستند على تشابك الأوضاع في عموم المنطقة وضرورة وحدة كفاح شعوب المنطقة كشرط للانتصار، كما ذكرنا سابقاً، لطرح مشروع اتحاد (فيدرالي) ديمقراطي اجتماعي ( بالنسبة لي اشتراكي) يضم شعوب وبلدان المنطقة المتحررة من أنظمة الاستبداد والاستغلال والشوفينية، مع حق كل شعب، باختياره الحر، الاندماج فيه أم لا، يحقق كل منهم حكمه الذاتي في هذا الإطار الفيدرالي الديموقراطي والاجتماعي، لتصبح بذلك المظلوميات السابقة جزءاً من الماضي، ويفتح أفقاً لمستقبل أكثر إنسانية وعدلاً وازدهاراً لكل شعوب المنطقة، والعالم.

غياث نعيسة

الكورونا “X” والكورونا الإعلامي!

وصل عدد المصابين بفايروس كورونا المستجد إلى أكثر من 2.5 مليون إصابة، وسيصل إلى الملايين، وعشرات الملايين، لأن هناك قرار “عالمي” بالوصول إلى بذلك، وتلك هي مهمة الإعلام الأولى اليوم.
سيطرت الأخبار المتعلقة بكورونا على كل نشرات الأخبار العالمية. وغدا الخبر الأول والأخير للبطل “كوفيد 19″، الذي اضطر مكرهاً إلى نقل انتصاراته من أقصى الشرق، إلى أقصى الغرب، مروراً بتفاصيل الجميع، وكاشفاً سهولة الاختراق، وسهولة الإصابة وسهولة الموت، سيما في أفواه السياسيين، الملزمين بتسيير أعمال رأس المال المأزوم.
وكوفيد البطل سيعود ثانية بعد نهايته الأولى. باحثون غربيون يؤكدون ذلك استناداً إلى أبحاثهم الخاصة، ويتوقعون أنه بعد عامين أو ثلاثة وربما أربعة على أبعد تقدير، سيعود كوفيد “X” بالظهور كاشفاً عن أنياب دموية أخرى لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل.
منذ سنوات توقع بيل غيتس امبراطور “مايكروسوفت” ظهور فايروس قاتل، ويحاول مع شركته الضخمة منذ توقعه الغريب ذاك، تحت اسم آخر ومختصين متلبسين “باللقاح” استثمار الحالة لإيجاد رعب جديد للعالم المتخمين بالخوف.
كيف توحّد هذا العالم “المنقسم بشدّة”، حول كوفيد 19؟
كيف حبس كورونا سكان العالم في بيوتها؟
كيف انصاعت الأنظمة “الشاذة” تحديداً، لقرارات تتعلق بضرورة مواجهة العدو المجهري، وتقرّ علانية بأنه عدو خطير، رغم تصنيفها هي ذاتها بالفايروس الخطير؟
كيف شاءت الصدف أن يكون هذا المجهري خطيراً، في الفترة التي شهد فيها الاقتصاد العالمي ركوداً هو الأقسى بعد أزمة 1929؟
يتنامى كوفيد “X” اليوم في أمريكا، قائدة العالم المتصدّع، والتي تتصارع قنواتها في نقل أي فكرة عن الفايروس ونقيضتها، وتنقل في ذات الوقت كل المخاوف، حتى تلك التي لم تظهر بعد.
ذكر الإعلام الغربي، أن الفايروس القاتل، يهاجم المسنيين، قبل أن يفاجئ الجميع، أن كورونا “X” يسري في كل الفئات العمرية، فقد قتل شاب في اسبانيا، وطفل رضيع في أمريكا، وترقد الحوامل في المشفيات تنازعن، ويجب ألا يعتقد أحد في هذا العالم المتهالك، أنه بمنأى عن الإصابة، وربما عن الموت.
شركات كبرى أعلنت إفلاسها، رجال أعمال أعلنوا افلاسهم، تم تسريح عشرات آلاف العمال، طرق أغلقت، وحدود علّقت، ونزل الجيش في دول كثيرة، في دول لم تشهد نزول الجيش منذ الحرب العالمية الثانية.
عاش العالم حالات من الخوف تتشابه كثيراً، مع حالة الكورونا، وتختلف بالمقاييس، عندما أظهر نقلاً عن مصادر عالية المستوى، حيازة عراق صدام حسين، على أسلحة الدمار الشامل، بعد أن نفّذ إرهابيون يعيشون في كهوف قندهار الأفغانية أحداث 11 سبتمبر.
يومها صرخت “الدول الشاذة”، فقد عرفت أنها الثور التالي بعد ثوري أفغانستان والعراق. لكنها اليوم صمتت، ولحق كوفيدها الخاص بالكوفيد الإعلامي الدولي، وإن كان بخطا أبطأ.
بعد أفغنة العالم وعرقنته، انتقلت البشرية إلى حلقة أضعف، إلى نافذة حرية أضيق، ومساحات عنف لم تهدأ. فماذا سيحدث بعد “كورنة” العالم، بعد “كوفدته” وفق تسلسل زمني رياضي، يعجز المراقبون عن توصيفه.
كورونا “X” الناعم، أمام مهمة عالمية ضخمة، فقد حبس العالم بصخب كبير، ورعب شديد، حبس العالم الذي تحوّل إلى قرية مراقَبة، لن ينجو واحد فيها من المعاقبة.

طالب إبراهيم

“مسد” توحّد المتصارعين!

تصريح غير مسؤول وغير مهني، من المنسق الإعلامي لمجلس سوريا الديمقراطية في اوروبا ابراهيم ابراهيم، حول إرهابية إدلب وشعبها، وحّد المعسكرات المتصارعة فيما بينها.
طالب الائتلاف السوري “المعارض” بتحويل ابراهيم إلى المحاكم الدانماركية بتهم نشر الكراهية، والتحريض على القتل والإرهاب، في صورة يريد منها إظهار وجه إنساني له، في حقل القتل الدائم الذي يمثله.
وطالب ثوار إدلب بالقصاص. وأعادت مواقع للمعارضات السورية، وصفحات لنافذين فيديوات “مفبركة” لانتهاكات عناصر من “قسد” بحق السوريين. واسترسل ناشطون صحفيون معارضون في مواقع صحفية ناشطة معارضة بكتاباتهم حول معنى الإرهاب “الكردي”، والانتهاكات “الكردية”، والحساب “الكردي”.
وطالبت ريم تركماني الناشطة السياسية وربما المدنية، بإحالة القضية إلى المحاكم الدانماركية لمحاسبة ابراهيم “إنسانياً”، قبل أن تتراجع بعد أن اعتذر منسق “مسد” عن تصريحه.
لا يمثل الائتلاف السوري، المعارضات السورية المنقسمة والمتصارعة، والتي تخدم أكثر من جهة وأكثر من مموّل، والتي تنقّل أعضاؤها خلال سنوات الحرب الفظيعة، من جهة إلى جهة، ومن شعار إلى شعار، بحسب ميلان ميزان النصر أو ميزان المال أو ميزان المناصب.
لكن لا شيء الآن يعادل سعادة أفراده، سوى ربما محركهم السيد اردوغان، رغم أزماته الداخلية والخارجية المتلاحقة، بعد التصريح المشؤوم، وغير المسؤول لمنسق إعلام “مسد” في أوروبا، على تلفزيون سوريا، التلفزيون الملون بأجندة تركية على أموال قطرية، وبإدارة ناشطين سياسيين وثوار ملونين، يتميزون بذاكرة شبيهة بذاكرة السمك الأحمر.
أقال مجلس سوريا الديمقراطية، المنسق الأوروبي، وذكر في بيان واضح، أن الإقاله تمت بسبب تصريحه غير المسؤول، والذي لا يعبر عن أفكار وقناعات “مسد” ولا الإدارة الذاتية ولا قوات سوريا الديمقراطية.
ذكر الرئيس السوري في أكثر من خطاب، وأكثر من مقابلة تلفزيونية، أن إدلب إما إرهابية أو حاضنة للإرهاب.
لكن وفي ظل الحرب المتواصلة التي شنها النظام السوري وروسيا في فترات سابقة، على إدلب، ناشد القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “مظلوم كوباني” أهالي إدلب بالتوجه إلى مناطق الإدارة الذاتية، لأن لهم أهل هناك وأصدقاء ورفاق ومسكن ومستقبل. رغم ما أظهره بعض سكان إدلب في فترات كثيرة، من ضرورة القضاء على الشعب الكردي في مناطق شمال وشرق سوريا، وفي كل مكان. ورغم تصريحات “داعشيين سوريين” بلباس معارضين وحقوقيين وناشطين مدنيين ورجال أعمال ومال، أن الشعب الكردي خارج التاريخ وخارج الجغرافية.
قدّم الائتلاف السوري، باعتباره ائتلاف الأخوان في بياناته وخطابات عناصره، تبريرات دائمة، لاحتلال تركيا للشمال السوري، وقتل شعوبه وتهجيرهم وتغيير طابعه الديمغرافي، سيما إن تركيا “دولة مسلمة” وشعوب شمال سوريا هم إرهابيون أو حاضنة لهم.
يبرر النظام السوري قتل المدنيين في إدلب وفي باقي المحافظات، لأنهم حاضنة للإرهاب، كما يفعل تماماً بعض أعضاء مجلس شعبه، وبعض وزرائه وبعض مسؤوليه وبعض مريديه ومناصريه.
ويبرر ائتلاف الاخوان قتل اردوغان لشعوب الشمال السوري، لأنهم حواضن للإرهاب، “وحتى يصدق نفسه على الأقل”، يضع اسم حزب العمال الكردستاني، “المخرز في عين الدولة العميقة والسطحية في تركيا”، في كل بيان تبريري، ليكون دافعاً قويّاً لقتل الشعوب وتهجيرها وتوطين عوائل الميليشيات التي تخدم أجندة الجيش التركي، بديلاً عنهم.
القصة ليست مجموعة ذقون محلوقة أو منتوفة أو متروكة في ائتلاف اخواني أو ائتلاف معارض أو مهادن، وليست تلفزيون سوري بأجندة تركية ومال قطري وذاكرات سمك أحمر، وليست اخوان باعتبارهم قتلة مأجورين، وليست اردوغان باعتباره واجهة اسلامية داعشية ب”كرافيتة”، وإنما القصة، أنهم أدوات ملونة وخبيثة، لدولة تركيا العميقة، في طور تبديل أدواتها.

طالب إبراهيم

أمريكا وروسيا.. سباقات في المكون العربي!

تفكر أمريكا في إنشاء فصيل عسكري جديد من المكون العربي في مناطق شمال وشرق سوريا، في الفترة التي تسابقها فيه روسيا لإنشاء فصيل آخر من ذات المكون، وفي ذات المنطقة أو على تخومها.
في منطقة الشدادي، جنوبي الحسكة، فتحت القوات الأمريكية باب التجنيد للأهالي، بهدف تشكيل فصائل محلية. وفي السياق نفسه، يروج الحديث عن رغبة روسية في تجهيز فصيل محلي أيضاً من المكون العربي، تحت مسميات محلية، من أجل العمل خارج دائرة الجيش السوري النظامي.
ما هي القصة؟
لماذا هذا السباق المحموم بين دولتين كبيرتين، تتنازعان السيطرة والنفوذ، لا في سوريا فقط وإنما في الإقليم وفي العالم، دولتان تسيطر كل منهما على ما يكفي من الأراضي السورية، سيطرة تؤكد أن الكيان السوري باعتباره دولة مستقلة، هو مجرد مصطلح وهمي، يطفو متثاقلاً في عقول الكثيرين، ولا وجود له كتمثيل واقعي في ساحة الحرب المتواصلة.
الإدارة االذاتية واقع قائم، تعبر عنه القوة والمساحة والسكان، وتشير إليه شبكة العلاقات في الداخل والإقليم والعالم والثورة، ولكنه واقع محاط بالكثير من المخاطر.
الخطر التركي بكل تفاصيله العسكرية والميليشيوية والارتزاقية. والخطر الروسي والذي يختفي خلف شعارات وحدة الأراضي السورية، لينتشر في كل المناطق، ووفق قوانين المصلحة والقوة وموازينها، معتمداً على مفردة “الشرعية” التي منحه إياها النظام السوري، في انتشاره وسيطرته واستيلائه على الأراضي السورية.
والخطر الأمريكي، والذي قدم مناطق الإدارة الذاتية أكثر من مرة للمحتل التركي، متجاهلاً تحالفات واتفاقيات وتفاهمات مع من يسميهم حلفاؤه في المنطقة.
ولا يغيب أبداً خطر النظام السوري، بما يحمله من رغبة في إعادة فرض سيطرته على القوة والمساحة والسكان والثروة، مستفيداً من هول التناقضات في الجغرافية والتاريخ والنفوذ، ومعوّلاً على “ظاهرة” الانتماء، هذا المصطلح الذي يغوي الكثيرين، ويزيد من حجم الحقد والثأر وصولاً إلى استثماره في المجال العسكري.
في الصراع على التمثيل، تسعى أمريكا للاستثمار في المكون العربي في شمال وشرق سوريا، لأنها تفضل التعامل مع أكثر من طرف في المساحة الجغرافية الواحدة، لسهولة كسب التنازلات في أعقاب المراهنة على الخلافات. وتكسب أمريكا كثيراً، بوجود عوامل كثيرة للانشقاق بين المكونات الاجتماعية في المنطقة، سيما في فترة الحرب، وبعد سنوات طويلة من الحكم الديكتاتوري، والذي اعتمد في استتباب حكمه واستمراره على نشر ثقافة الشقاق.
تكسب روسيا أيضاً أكثر، بوجود أكثر من طرف، وأكثر من حليف، وأكثر من “فاغنر”، وإذا استطاعت أن تَسلُخ ميليشيا “فاطميون” عن الأجندة الإيرانية، فالقدرة على سلخ آخرين عن “انتماءاتهم” السياسية والطائفية”، أمر وارد، خاصة في ظل تطوير مفاهيم الانتماء، وشروطه.
أما تركيا فقد استثمرت في المكون العربي جيداً، ليس في الحرب على مناطق الإدارة الذاتية فقط، ولكن أيضاً في عمليات التغيير الديمغرافي، والتي طالت كل المناطق التي سيطرت عليها، والاستثمار التركي فيهم، جعلهم في فوهة مدافعها، وفي مقدمة جيشها، وفي واجهة الجرائم والانتهاكات والفظائع.
في صورة المخاطر الجسيمة التي تحيط بالإدارة الذاتية كواقع، يغدو أي حديث عن تحالف بين المكونات الاجتماعية على أساس طائفي أو قومي، بمثابة طعنة للمشروع السوري، الذي يعتمد في جوهره “الثوري”، على بناء عقد اجتماعي يتخطى القوميات والأديان والطوائف، ويحتاج إلى مراهنات مؤلمة ومتعبة في دربه الشاق والطويل والمرهق.

طالب إبراهيم

الكوردي الجيد والكساد الأخلاقي للمعارضة!

سبق لي وأن أشرت إلى أن الثورة السورية فشلت في الانتصار أخلاقياً على الجلاد، قبل أن تسقط سياسياً وعملياً أمام جيش نظامه. فما أحدثته من انقسام وما أثارته من كرنفالات الكراهية بين المكونات السورية لم يسبق للسوريين أن تعرفوا عليه في تاريخهم القريب والبعيد. إذ خلّفت وراءها صدوعاً وانهيارات أخلاقية، وعلى جميع المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية، يستحيل علينا تجاوزها في زمن قصير. وربما تطبع بطابعها التراجيدي الخاص الهوية السورية وتترك فيها ندوباً وجراحاً مفتوحة لأمد طويل.
إن كلّ ثورة تحتاج إلى اتساق أخلاقي معين في المبادئ، وإن انطوت على اختلافات سياسية جليّة. فالتاريخ لا يعرف ثورات محض أخلاقية، وحتى ثورات الأنبياء والرسل كانت لها هفوات أخلاقية جلية. ولم يسبق للتاريخ أن شهد ثورة للملائكة أو القديسين، هذه موجودة في الأساطير فقط. ولكن الثورة إن كانت خالية من القيم أو لا تملك ضوابط أخلاقية أو سياسية، ولا تساهم في إنتاج قيم إنسانية جديدة، وقيم حياة جديدة، وبالنتيجة بشراً من طراز جديد تستحيل إلى كارثة، وتعيد إنتاج أشدّ أشكال البؤس تخلفاً. والتاريخ يعلمنا أن جميع قوى التغيير والمعارضات في العالم التي قامت بالثورات وأحدثت تحولاً عظيماً في أوطانها وأوضاعها، إنما أنتجت، في الوقت ذاته، قيماً وطنية سامية أرقى وأكثر تقدماً، ورسخوا القيم الإيجابية القديمة، قيم الانتماء والتضامن الوطني. والحال حتى الآن، أن المعارضة السورية عجزت عن بلورة قيم وطنية جديدة تعكس انتماءاً وطنياً أسمى، على العكس من ذلك، كلما مضى الوقت أكثر تعرّت أكثر من القيم الوطنية والأخلاقية، وغاصت وتمترست وراء قيم أيديولوجية في غاية التخلّف والسلبية ورهنت إرادتها لأجندة غير وطنية.
لعل أبرز مثال على ذلك، ما تعرّض له الشعب الكوردي من إهانات بالجملة واحتقار وازدراء ليس فقط من قبل عوام المرتزقة التابعين للإئتلاف المعارض لدى اجتياحهم المناطق الكوردية، وأفرغوا زخّات شتائمهم البذيئة ونابيّتهم، التي تنمّ عن كراهية وانحطاط تربوي في المنشأ بحق شعب بكامله. كذلك الأمر مع نخب ورموز( المعمعة) السورية، الذين لم يتوانوا بكل حقد وصفاقة في الإفصاح عن تركة الوضاعة والسوقية لديهم، التي تعكس القاع الأخلاقي العميق لثقافتهم وتربيتهم الأيديولوجية. فمن قائل بأن أصول الكورد غجر إلى أجير النظام سابقاً القائل بأنهم( بويجية) وماسحي أحذية إلى المهرّج الثورچي، الذي نفى عنهم صفة الآدمية… الخ دونكم بأحكام التكفير التي أطلقها شيوخ التكفير التابعين لعصابات الإخوان، بحق الكورد وغيرهم، التي بررت قتلهم وسبيّ نسائهم والسطو على أملاكهم ونهبها.
إن ما تعرّض له الكورد على يد أولئك( الثورچية) في زمن( الثورة) السورية من ازدراء وإسقاط أخلاقي لم يسبق أن تعرضوا له حتى في ظلّ نظامي صدام حسين أو الأسد، اللذين رغم قسوتهما وفاشيتهما القوموية لم يبلغا هذا المبلغ من الضعة والسوقية. إذ رغم المجاز والقتل كان التوقير الأخلاقي للضحية لدى الطاغيتين ربما أفضل من ابتذال ودونية ثورجية المعمعة السورية. وهذا مايعزز لديّ القناعة بأن هؤلاء الذين لم يبلغوا ذاك الحدّ من السطوة والقوة، التي كانت لدى النظامين البعثيين، لو قيّض لهم النصر وتمكنّوا لأقدموا على ما هو أسوأ وأكثر توحشاً وإجراماً منهما.
هذه المفارقة تفضي بنا إلى نتيجة واحدة على الأقل، هي أن هذه( الثورة) تقدمت منذ البداية نحو إثبات ذاتها سياسياً دون أيّ رأسمال أخلاقي رمزي مشترك، أو دون أن تتراكم لديها ميراث أخلاقي حيث وضعت نصب أعينها غاية وحيدة ورئيسة هي الاستيلاء على السلطة وإسقاط النظام القائم أيّاً كانت الوسائل المستخدمة. ويبدو لنا في نهاية المطاف أن هذه( الثورة)، التي تحوّلت إلى كرنفال للدم والخراب، لم تعد قادرة على ضمان حقوق الضحايا والمقهورين المهدورة في زمن الاستبداد، ولكنها تبدو معنية أكثر بالحفاظ على امتيازات أعوان الجلاد وعملائه الذين أمعنوا في الاستزلام له طوال تلك الفترة وانشقوا عنه في برهة غرق سفينة الاستبداد، ليصبحوا هم الأوصياء على دماء الضحايا الآن وسادة العربدة الثورية.
هلّ يمكن تفسير هذا الأمر بمجرد القول إنه سلوك فردي لا أخلاقي؟ بالتأكيد لا، فما يقبع خلف هذه الآراء والمواقف هو نمط متكامل من الخطاب السياسي والأيديولوجي وجملة من الممارسات الخطابية ومنظوم قيم ومعايير باتت راسخة، وغدت عادات أصيلة في تفكير المعارض السوري وسلوكه، المحسوب على التيارات الإخوانية والعروبية، وهي في جملتها ما يمكن أن نطلق عليها مفهوم( العقل الأخلاقي) للمعارضة السورية. إنه خطاب أزمة يعكس هزيمة العقل السياسي الحامل له منطقياً وواقعياً، فهو يبحث عن ضحية أخرى يبرر بها هزيمته، وينتقم منها كي يستعيض بها شجاعته المفقودة.
الثورچي اليوم، الذي تربى في كنف النظام، ورضع من ثدي أيدولوجيته وقيمه السياسية، وعاش تحت فضاء من الشعارات والرموز السياسية والتربوية، وكان متطبعاً ولايزال بهذا المجال، ليس من السهل عليه التحرر منه بالسهولة ذاتها التي قفز بها من قارب النظام المنخور بين عشية وضحاها. وبالنتيجة لا نكون إزاء إنسان متحرر من سلطة الجلاد وسلوكه، وإنما مجرد ضحية مشوّهة لا يزال يثوي داخلها طاغية قزم وتافه، يحفزّها الغلّ والكراهية والرغبة في الانتقام من كل ما يقع في طريق تطلعاتها إلى ممارسة دور الجلاد.
يبرر هذا الاستنتاج إن جميع من أذاق الآخرين صنوف القهر والعذاب، من اعتقل الناس، المخبر الذي كان يلاحق أنفاس البشر ويذيل تقاريره الكيدية عن حركاتهم، الجلاد الذي كان يفترس ضحاياه في الزنازين، المحقق، اللص وناهب المدن، المرتزق الذي كان يخرج في كل أوان ليهتف باسم القائد الخالد ويرغم الناس على الهتاف معه، الفاشي والعنصري الذي كان يطعن في هوية المختلفين معه وانتمائهم، المتعصب والمهووس بإيذاء الآخرين. كلّ هؤلاء أصبحوا في صفّ الثورة لما شعروا أن قارب النظام المنخور بات على وشك الغرق. وبعضهم أصبح ناطقاً باسمها ورمزاً لها. من عارض النظام وعارض هؤلاء ولوحق وفرّ من البلد ثائراً لحقه هؤلاء واغتصبوا ثورته، إذاً ما مبرر بقائه ضمن هذه الثورة، إذا كانت كتلة الشرّ أصبحت كلها في هذه الضفة، ألا نحتاج إلى ثورة أخرى على هذه الثورة كي تتطهر من جميع الشرور التي لحقت بها حتى أصبحت ضد مبدئها بالذات؟
فضلاً عما سبق فإن الخطاب السياسي للجماعات الإسلامية والقوموية المعارضة، قدمت على الدوام لمثل هذا الثورچي موارد نظرية يبرر بها رؤاه ومواقفه ليس من الكورد فحسب، وإنما أيضاً من جميع المكونات الهوية السورية، مثل الطوائف، العلوية، الدروز إلخ. فموقف الازدراء والاستعلاء يظل مطبوعاً وطاغياً على نظرتهم وموقفهم اتجاه الجميع. إلا أنه يتخذ في الحالة الكوردية طابعاً أشد حدّة وتطرفاً، لأن الكورد يشكلون تحديّاً سياسياً وربما وجودياً في وعيهم.
هناك فجور سياسي وأخلاقي صارخ سائد في سلوك أطراف عديدة وأفرادها. انتحال مفضوح ومريب لدماء ضحايا الشعب السوري. بعضهم يطالب باحترام وتقديس بعض القضايا الوطنية وهو ذاته من يخونها سرّاً وعلانية. بعضهم يعلن صراحة تمثيله للشعب السوري، ويؤكدون على ذلك مراراً وتكراراً ويحث الشارع والآخرين على مبايعته وفي الوقت ذاته هو نفسه لا يحترم هذا الشعب وقيمه وتنوّعه، ولا يحترم الثقة التي منحه إياها الشارع. عدد من رموز الثقافة السورية والسياسيين المعارضين، ممن كنّا نعتقد فيهم السمو، كشفوا طوال عقد من الزمن عن ضيق أفق وتعصب لا يليق إلا بمتطرف يهودي مهووس بيوم السبت. فضحتهم انفعالاتهم الحقيقية ومشاعرهم المقنعة بعبارات العقلانية والتسامح الفضفاضة. روائح الكراهية الطائفية والقوموية التي لا تطاق أخذت تفوح بقوة من كلماتهم.
هذه الرؤوس الساخنة في المعارضة السورية خدمت النظام أكثر من أزلامه ومرتزقته، الرؤوس الساخنة التي تجاهلت حقائق الوضع السوري، وتعاطت معها بنفس منطق النظام. الرؤوس الساخنة، التي أرادت أن تقدّ مستقبل سوريا طبقاً لأهوائها وأوهامها الأيديولوجية، الرؤوس الساخنة، التي لم تدرك بعد أن البلاد باتت غارقة في هاوية الحرب الأهلية وهي لاتزال تتبجح وتتغطرس وتعاند. لأنها ببساطة شديدة جرّدت كل دعوى أو مطلب سياسي من أبعاده الأخلاقية. تأكيد الذات وثنياً، الوعي المشوّه بالكرامة الفردية والجماعية، ردّات الفعل المنحرفة، ازدواجية المعايير الأخلاقية وغياب الاتساق في الوجدان الجمعي، النخوة المجانية، المكابرة الفارغة ومعاندة التقدم، الضجيج الاستعراضي والزعيق الأرعن الناجمين عن غيرة زائفة، الهستيريا القطيعية المتطرفة المصحوبة بالرغبة في الانتقام، الذاكرة الانتقائية، النزعة الإيمانية المنافقة والسطحية، كلها مظاهر لأزمة العقل الأخلاقي وتناقضه، حيث تجدونها جليّة وصارخة في تظاهرات السلوك السياسي للمعارضة السورية، بخاصة تلك القابعة في استنبول وتدار من هناك بمقود المخابرات التركية.
بالطبع لا يمكن تفسير هذا الفجور الأخلاقي والصفاقة لدى هؤلاء وغيرهم، بل والسياسي كذلك، بموجب هذا الأمر فحسب. ذلك أن النخب السياسية والثقافية أيضاً تهاونت منذ البداية مع مثل هذه المواقف. بل إن الكثيرين منهم تهاونوا مع الأمر وعدوّه أمراً عارضاَ. مثلما أن الكثيرين ممن أسميتهم في وقت مبكر بـ( بالأكراد الجيدين) و اكتسبوا أخيراً صفة الـ( أوادم) قبلوا على أنفسهم هذا الخزي وصفقوا لمثل هذه العربدة بحق شعبهم بدونيّة ودون خجل. فالمهم بالنسبة إليهم أن يتدرجوا مع هؤلاء وينخرطوا في الفضاء السياسي والثقافي السوري ذاته. إن استجداء رضى المعارض السوري، كان أقصى ما يتطلع إليه أشباه السياسة والثقافة الكورديتين، شرط أن يتحلل من كورديته( السيئة) أو( الرديئة) التي كانت على الدوام تثير حفيظة هذا( المثقف)، فالكوردي الجيد هو وحده الكوردي العقلاني المعتدل في هذه الأوقات، بنظر المعارضة العروبية والإسلامية، إنه الكوردي المطيع، غير مشاكس، غير نزق، الساذج، المرن إلى أقصى حدّ. أي المساوم والناعم، الأملس والظريف في نظر المالح والبيانوني والشقفة وجميع البطانة الإسلامانية والقوميين الجدد ومعظم السوقيين من جوقة البذاءات والشتائم. إنه الكوردي المداهن، المنافق والمتملق، الذي لا يكفّ عن التهليل والإعجاب بتفاهات المثقف( السوركي)، الوضيع والمتدني أمام ترفع وغطرسة الأخير، يعترف بسيادته ورعايته له، ويقبل لنفسه بدور التابع الدوني، ويتوائم باستمرار مع مزاعمه بالتفوق والحكمة والوصاية والسيادة. ويبدي استعداده على التعايش مع جميع مزاعمه وأوهامه الأيديولوجية عن الأمة الخالدة والهوية والمصير المشترك، وأن تستجيب مع منطقه السياسي وتتسق مع توجهاته العنصرية.
الكوردي الجيد يراد به في هذه الحالة الكوردي الوديع واللطيف، وحتى الرومانسي الذي يتغنى بأمجاد العروبة، ويحلم بوطنية مصاغة على هوى الآخرين. وبالمقابل قد يضطر أحياناً إلى أن يحتقر ذاته ويتخلص من كل ما يمتّ إلى هويته وانتمائه بصلة كي يتوافق وينسجم مع غرور وغطرسة سيده المعارض. عليه الاستعداد أن يكفّر بكل انتماء له أو حق، وحتى أن يمحى ذاته ويتماه في عباءة سيده. إنه الكوردي المتحرر من حالة الاحتقان الأيديولوجي الناشئ عن الشعور بالقهر، المتطهر من وباء كراهية الأوغاد العنصريين، الذين ينكرون حق البشر في الكرامة والمساواة. إنه الكوردي المطلوب الآن بإلحاح شديد في جميع المناسبات والأوقات. إنه مسخ ( العروبي الجيد) في نظر الأمريكيين أو الأوروبيين ونسخة كاريكاتيرية عنه. وخلاف ذلك هو الكوردي العنصري المقيت، الكوردي السيء والقبيح بنظرهم، الذي يفتقر إلى الحس الإنساني بالكرامة.
الكوردي الجيّد، هو الذي يكفّر بانتمائه الكوردي لتأكيد هويّة لا معنى لها ولا مبرر إلا تحت رايات البعثيين الجدد أو أشقائهم من ورثة ثقافة التكفير الصدئة. وبأخصر القول، الكوردي الجيد، المطلوب بشدة، والمرغوب فيه هذه الأيام، هو العديم الكرامة، الفاقد للجرأة والشجاعة، المعتاد المذلة و الهوان، العاجز عن أن يجد نفسه إلا عبداً و تابعاً لجلاده. وفي المحصلة بدا هذا الـ( الكوردي الجيد)حتى في نظر الثورچي، مثاله الأبهى، مجرد مهرج ( آدمي من الأوادم)سياسي أو ثقافي، فاقد للهيبة والجدارة.
إن عملية تسفيه الشعب الكوردي وقضيته كانت مقصودة، خدم خلالها العديد من الأفراد والأحزاب الكوردية أجندة المعارضة القوموية/ الإسلاموية، ولم تساهم في الحفاظ على وقار وهيبة شعبهم أو قضيتهم حتى صرنا نستجدي آدميتنا من( مهرج) تافه، ممثل فاشل، أو لص يعتقد أنه قادر علي رفع الكرة الأرضية برأس اصبعه إن شتم الكورد وأمعن في إهانتهم والتقليل من آدميتهم.

سربست نبي*، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة كويه- كوردستان العراق

كورونا فايروس وتركيا فايروس!

أنشأت القوات التركية سجناً جديداً في وسط عفرين، ووضعت فيه النساء اللواتي تعتقلهن بتهمة أو بدون تهمة. وكلفت عامر المحمد، قريب “أبو عمشة”، بإدارة أمن عفرين، والذي لم يحصل على أية شهادة دراسية، ولم يلتحق بأية كلية عسكرية، لكنه مُنح رتبة “مقدّم”، وميزته الوحيدة أنه قريب محمد الجاسم “أبو عمشة” متزعم ميليشيا “السلطان سليمان شاه” التي تخدم أجندة الجيش التركي، ومن خلفه الدولة العميقة، مثلها مثل مئات الميليشيات التي أنتجتها الأزمة السورية برعاية مخابرات محلية وعربية ودولية، لتسقط كلها في لمح البصر، في نفق عصابات الاخوان المسلمين، وليكونوا عن سابق الرضى والإذعان السوط التركي في عفرين والشمال السوري.
لا علاقة للحدثين ببعضهما، حَدَثُ بناء سجن جديد في عفرين، وتكليف “أبو عمشة الصغير” بأمن عفرين. ولكنهما يأتيان في سياق النهج العام الذي تسلكه تركيا، في عفرين من انتهاك لحقوق الإنسان، وخرقاً للمواثيق الدولية، وفي زمن احتلال الفايروس كوفيد 19 على تفاصيل الأخبار العالمية والمحلية.
تكليف الفايروس “أبو عمشة الصغير” والقاتل الجديد، وبائع الخضرة السابق قبل الثورة المنحوسة، بمهام الأمن في عفرين، يأتي بعد تكليف قريبه الفايروس “أبو عمشة الكبير” بمهمة “القاتل المأجور” في ليبيا، وبعد تكليف مجموعة كبيرة من “الفايروسات العمشات” المأجورين، بمهمة التغيير الديمغرافي، والتطهير العرقي في مناطق شمال وشرق سوريا.
وفي سياق التغيير الديمغرافي، وتحت جناح فايروس كورونا الذي أنهك العالم، تستمر تركيا بتوطين أهالي “العمشات” المأجورين، في المساحة التي احتلتها، من مناطق شمال وشرق سوريا، قبل ولادة الفايروس القاتل.
قبل ولادة كوفيد 19، قتلت تركيا أهالي عفرين، وشردت أهالي رأس العين “سري كانيه”، وأسرت أهالي تل أبيض “كرى سبي”، وبعد الفايروس القاتل، وطّنت تركيا أهالي “الفايروسات العمشات” بالتوازي مع افتتاح سجن كبير لنساء عفرين.
يعاني العالم اليوم من كورونا فايروس، يعاني من فايروس قاتل، على الأقل هذا ما تتحدث عنه الميديا الغربية، وانتقلت بالعدوى لتصيب الميديا في كل مكان، لكن مناطق شمال وشرق سوريا تعاني من فايروس أخطر وأشد قتلاً وعدوانية من كورونا فايروس.
تعاني من تركيا فايروس، والتي لا يمكن أن يكون كورونا فايروس المستجد والفتاك إلا دمية جامدة رغم عنفه، أمام فايروساتها “العمشات” وكائناتها الهلامية التي تتلون كما تريد لها تركيا، وتتجاوب كما يقودها الصوت والسوط التركيان، أمام فصائل وميليشيات أقدم عناصرها على حلق لحاهم، وتقصير ثيابهم، وتبديل الأفغانية منها بثياب الجيش التركي، ورفع الأعلام التركية، بالتوازي مع أناشيد داعش والقاعدة، وعلى مرأى العالم الثوري منه والانتهازي والمنافق.
في عفرين، وفي تل أبيض ورأس العين وأخوتهم من المدن والقرى والبلدات الأخرى، التي وقعت في أيدي العصابة التركية، وصغارها من العصابات العمشاوية، يغدو خطف النساء، وتجارة الفدية، وقتل الرجال، وطرد المسنين، وتحويل المياه، وبناء الجدار العازل، وقطع الزيتون، وحرق الحقول، تمثيلية معقدة لهدف تركي واضح وفظيع. هدف يختصره مصطلحان كبيران، تغيير جغرافي لعفرين وأخواتها السوريات، وتطهير عرقي لعفرين وأخواتها السوريات، على أيدي ميليشيات عمشاوية جديدة، تنافس في فظائعها جيش عثمانها الانكشاري.
عن قناة اليوم

1 2 3 6