هنا هولندا

1 2 3 5

نانسي وزوجها القاتل والسوري!

ذكرت وكالات إعلام لبنانية، أن منزل المغنية اللبنانية نانسي عجرم تعرض لهجوم “لص سوري”، قبل أن يسارع زوج المغنية “فادي الهاشم” إلى قتله، وإظهار صورته شبه عار، لتحتفل الوكالات اللبنانية، ونانسي عجرم، وهيفاء وهبي، وناشطو الفن السيامي، بالانتصار الكبير، الذي حققه القاتل الهاشم اللبناني في الجسد السوري المنهك.
ذكر الإعلام اللبناني أن السوري من محافظة إدلب السورية، واسمه محمد حسن الموسى. وأن هدفه كان سرقة منزل المغنية، ولكن محاولته باءت ب”القتل”.
يقدم موقع الجسر السوري معلومات أخرى، عن السوري القتيل، وعن سبب وجوده في منزل السيدة نانسي، معلومات لم يسع الإعلام اللبناني “النانسوي” البحث فيها.
عمل الموسى في حديقة فيلا السيدة نانسي، كفني صيانة وبستاني، وكان يجب أن يتقاضى مستحقات نقدية، على عمله، ومستحقات مالية أخرى، كانت بحوزة أحد حراس الفيلا. وحاول مراراً وتكراراً الحصول على ماله، وبالطرق السلمية، دون فائدة.
وأكد أهل القتيل لموقع جسر أيضاً، أن القتيل انتظر مقابلة مع “الهاشم” زوج نانسي عجرم، أكثر من 5 ساعات بحديقة الفيلا، دون ان يسمح له بالدخول، ودون أن يراعي الهاشم ونانسي والإعلام اللبناني حاجة لاجئ سوري، وعائلته وأطفاله للمال المستحق.
كان القتيل يعرف أنه لن يحصل على مستحقاته من خلال الأمن اللبناني أو القضاء اللبناني، لأن لبنان ليس ذاك البلد الذي يعرّف عنه بالموسوعات الفنية على أنه سويسرا الشرق، ولكنه مقاطعة للمحسوبيات، ولأن نفوذ نانسي عجرم في مساحة لبنان الصغير هائلة.
اعتبر أهالي قرية الشاب السوري القتيل، أن دم ابنهم لا يجب أن يذهب هباء، ويجب فتح تحقيق حيادي بجريمة القتل، وإذا كان الموسى قد هدد بأنه سيحصل على ماله، بأي شكل كان، إذا لم يستطع الحصول عليه بالطرق السلمية، فهذا يجب أن يكون بوجود أدلة واضحة، لا كما ورد في الفيديو الذي عرضه الهاشم، عن ظل رجل ملثم، لا يحمل سلاح تارة، ويحمله تارة أخرى، أو في حديث الهاشم القاتل حين قال له القتيل: “استاذ فادي بدي المصاري إذا سمحت”.
لا يعرف الإعلام اللبناني، ماذا تعني مفردة استاذ، ولا ماذا تعني عبارة إذا سمحت، ولا يتخيل هذا الإعلام، كيف يمكن أن يكون اللص اللاجئ والعامل، كيف يكون صاحب حق!
وربما يتصورون أن صفة السوري “تهمة”، والسوريون متهمون، حتى لو كانوا عاملين ويستحقون الأجر.
ويعتقدون كما تعتقد الست هيفاء وهبي، شقيقة نانسي ب”طشت” الفن، أن الجريمة الكبرى التي حدثت في سوريا، والتي شردت السوريين، وكان هناك يد كبرى لقسم رئيسي من إقطاعيي لبنان فيها، أن هذه الجريمة الكبرى، تستطيع أن تتغاضى عن جرائم صغرى، كقتل لاجئ سوري طلب مستحقاته من زوج “طشت” الفن اللبناني.

طالب إبراهيم

إيران وأمريكا.. حرب المفاوضات!

قتل قاسم سليماني “الخفي”، قائد فيلق القدس، وثاني أقوى شخصية إيرانية، بعد المرشد الأعلى علي خامنائي. والشخصية العسكرية الأبرز في إيران كلها، لأنه منفذ استراتيجية انتشارها الاخطبوطية في المنطقة، ومهندس التغيير الديمغرافي في العراق وسوريا، والشخصية الأكثر تخفي عن الإعلام، وعن رادارات القتل الإقليمية، وأجهزة المخابرات الدولية.
قتل باستهداف موكبه “المتخفي”، من قبل طائرة درون أمريكية مكشوفة، على تخوم مطار بغداد المزدحم، بعد عودته “سرّاً” من دمشق الحليفة، على متن طائرة “أجنحة الشام” الحديثة.
في رحلة تخفيه الهائلة، من قدّم المعلومات الدقيقة لاصطياده؟ من ساهم في ملاحقة خطواته الخفيفة، من عتبة مطار دمشق، إلى جحيم مطار بغداد؟
من أوصل ملف رحلته الأخيرة على بوصلة طائرة خاصة، لخطوط شركة طيران سورية خاصة، إلى شركة الدرون الأمريكية العامة؟
من سجل خطواته، لتصل في تمام الخطوة، إلى قاتله من الدرون الأمريكية؟
تنتشر الدرون الأمريكية بهدوء في مساحات المنطقة، من أفغانستان إلى العراق وسوريا والخليج. وبين أجنحة الدرون، تتجول الأفكار والقرارات الأمريكية.
يسجّل للرئيس الأمريكي ترامب، دوره الفاعل في السوشيال ميديا، وربما ينافس عبر تقديمه المعلومات والعمليات الخطيرة، في صفحته في تويتر، كل تجارب ال CIA وال KGB.

بعد نشره صورة العلم الأمريكي في صفحته، إثر اغتيال سليماني ومن معه، نشر ترامب تغريدة قال فيها: “إيران لا تكسب الحرب، لكنها لا تخسر المفاوضات”. وهو لاقى وزير خارجيته من حيث النتيجة، حين قال بومبيو: “إن أمريكا ملتزمة بعدم التصعيد، ولا تسعى لحرب مع إيران”.
إيران لا تخسر مفاوضات إذن، لذلك يجب عليها سلوك هذا الطريق، طريق المفاوضات، الذي تستطيع امبراطورية خامنائي تحقيق النصر فيه.
وأمريكا لا تسعى إلى حرب معها، لكنها لن تسكت، إذا تعرضت سفاراتها، وأصولها العسكرية والاقتصادية والسياسية ورعاياها للتهديد. خاصة أن إيران لا تكسب في حرب، هذه حكمة قالها ترامب في تويتر، ويتمنى أن تلقى آذاناً صاغية عند المرشد.
كان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قد اقتدى إلى “ذات الحكمة”، عبر بيان نشره للتنديد باغتيال صديقه سليماني، حين طلب من الجميع “الحكمة والحنكة”. المنطقة على كف عفريت تاريخياً، وهي برميل بارود منذ آلاف السنين، لذلك يجب “الآن” التروي والحكمة وتقدير المكاييل العسكرية، وموازين الانتقام، والعمل بحنكة، لما فيه مصلحة النظام الإيراني، ومصلحة تابعيه في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
مقتل سليماني، يوقف أي تواصل خليجي إيراني، في الفترة التي شهدت ساحات الخليج منذ فترة، تواصلاً مع إيران، تحدث عنه الإماراتيون والسعوديون والعمانيون. أما قطر فتواصلها مع إيران لم ينقطع.
مقتله يوقف التواصل، وهو مكسب أمريكي، لا جدال فيه. ويساهم في تشتيت ما حاول أن يوحّده أو يفرّقه سليماني في سوريا. وهو مكسب آخر. ويوجه رسالة واضحة لجميع أعداء أمريكا في المنطقة، وما أكثرهم. رسالة تقول صراحة، الجميع تحت عدسة الدرون، وعبر صفحة ترامب في التويتر، يتم تحديد ساعة الصفر، أو النتيجة.
وتويتر ترامب يوقد النتائج الدامية، لكنه يوقد مقدمات التفاوض أيضاً. وبين دم سليماني الذي لن يجف بهدوء، وبين ساحات الانتقام الإيرانية، يعيش بعبع المفاوضات الصغير. بعبع التفاوض بين إيران المحاصرة والمأزومة، وأمريكا التي تفوز ببقاء النظام الإيراني.

طالب إبراهيم

سيطرة التافهين!

صدر كتاب للفيلسوف الكندي (ألان دونو) بعنوان «Mediocratie»، أو نظام التفاهة. كتاب طار حول العالم محمولاً بأقلام الغرب ونقاده، بحثاً عن الأسباب التي جعلت التافهين يمسكون بمواقع القرار في العالم، سياسياً، واقتصادياً، وأكثر…

كلمات رائعة قيلت في الكتاب وعنه، تستحق أن يقال أكثر منها عن شرقنا ومحيطنا وعنا.
.
يؤكد ابن كيبيك أن التافهين قد حسموا المعركة. من دون اجتياح الباستيل (إشارة إلى الثورة الفرنسية) ولا حريق الرايخشتاغ (إشارة إلى صعود هتلر في ألمانيا) ولا رصاصة واحدة من معركة «الفجر» (إشارة إلى المعركة الأسطورية بين بونتا وبراكمار)، فقد ربح التافهون الحرب فعلا وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه.

يعطي أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية نصيحة فجّة لناس هذا العصر: «لا لزوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً. فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة. فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك. عليك أن تكون قابلاً للتعليب. لقد تغير الزمن. فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة»!

وحين يسأل عن أسباب هذا التحول، يعيد ذلك إلى عاملين اثنين، في السوسيولوجيا والاقتصاد، كما في السياسة والشأن العام الدولي.

السبب الأول: يعزوه دونو إلى تطور مفهوم العمل في المجتمعات. فيقول إن «المهنة» صارت «وظيفة». وصار شاغلها يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير. فيمكن أن تعمل عشر ساعات يومياً على وضع قطعة في سيارة، وأنت لا تجيد إصلاح عطل بسيط في سيارتك. يمكن أن تنتج غذاء لا تقدر على شرائه. أو تبيع كتباً ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطراً. انحدر مفهوم العمل إلى «المتوسط». وصار أشخاصه «متوسطين»، بالمعنى السلبي للكلمة. صار العمل مجرد أنماط. شيء ما من رؤيوية شابلن في «الأزمنة الحديثة» أو فريتز لانغ في رائعة «متروبوليس».

السبب الثاني مرتبط وفق دونو بعالم السياسة ومجال الدولة والشأن العام. هنا بدأت سيطرة التافهين فيقول، ولدت جذور حكم التفاهة مع عهد مارغريت تاتشر. ويقول انه يومها جاء التكنوقراط إلى الحكم. استبدلوا السياسة بمفهوم «الحوكمة»، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم «المقبولية المجتمعية»، والمواطن بمقولة «الشريك». في النهاية صار الشأن العام تقنية «إدارة»، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا. وصارت الدولة مجرد شركة خاصة. وصارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد. وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لمجرد الناشط اللوبي لمصلحة «زمرته».

من هذين المنطلقين، تنميط العمل وتسليعه وتشييئه، وتفريغ السياسة والشأن العام، صارت التفاهة نظاماً كاملاً على مستوى العالم. وصارت قاعدة النجاح فيها أن «تلعب اللعبة». حتى المفردة معبرة جداً وذات دلالة. لم يعد الأمر شأناً إنسانياً ولا مسألة بشرية. هي مجرد «لعبة». حتى أن العبارة نفسها راجت في كل لغات عالم التفاهة: «أن تلعب اللعبة». وهي قاعدة غير مكتوبة ولا نص لها. لكن يعرفها الجميع: انتماء أعمى إلى جسم ما، يقوم على شكليات السهرات والغداءات والانتقامات. بعدها يصير الجسم فاسداً بشكل بنيوي قاطع. حتى أنه ينسى علة وجوده ومبادئ تأسيسه ولماذا كان أصلاً ولأية أهداف… أفضل تجسيد لنظام التفاهة، يقول دونو، صورة «الخبير». هو ممثل «السلطة»، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل «المثقف»، الذي يحمل الالتزام تجاه قيم ومثل. جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين! حتى أن رئيس جامعة كبرى قال مرة ان «على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات». لا مكان للعقل النقدي ولا لحسه. أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، من أن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار لاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات «السوق».

هكذا يرى دونو أنه تم خلق نظام حكم التافهين. نظام يضع ثمانين في المئة من أنظمة الأرض البيئية عرضة لأخطار نظام استهلاكهم. ويسمح لخمسين في المئة من خيرات كوكبنا بأن تكون حكراً على واحد في المئة من أثريائه. كل ذلك وفق نهج نزع السياسة عن الشأن العام وعن التزام الإنسان.

كيف يمكن مواجهة حكم التافهين هذا؟ يجيب دونو: ما من وصفة سحرية. الحرب على الإرهاب أدت خدمة لنظام التافهين. جعلت الشعوب تستسلم لإرادات مجموعات، أو حتى لأشخاص، كأنهم يملكون عناية فوقية. بدل أن تكون تلك الحرب فرصة لتستعيد الشعوب قرارها. إنه خطر «ثورة تخديرية» جديدة، غرضها تركيز حكم التفاهة. المطلوب أن نقاوم التجربة والإغراء وكل ما لا يشدنا إلى فوق. ألا نترك لغة الإدارة الفارغة تقودنا. بل المفاهيم الكبرى. أن نعيد معاني الكلمات إلى مفاهيم مثل المواطنة، الشعب، النزاع، الجدال، الحقوق الجمعية، الخدمة العامة والقطاع العام والخير العام… وأن نعيد التلازم بين أن نفكر وأن نعمل. فلا فصل بينهما.

الأساس أن نقاوم!

جان عزيز

ايوان ليبيا

لندن تعتقل ما شُبّه لها!

قبض البوليس البريطاني على “بول نيوي” مواطن بريطاني، بتهمة تمويل الإرهاب، وفق صحيفة الاندبندنت.
أرسل بول 150 جنيهاً استرلينياً إلى ولده “دانييل”، الذي يقاتل في صفوف “الأكراد” وفق توصيف الصحيفة البريطانية. وفي المقابل أكدت صحيفة الجارديان أن السلطات البريطانية أطلقت سراح بول بكفالة، وبدون توجيه أي تهمة له، وبعد استجواب دام أكثر من 36 ساعة.
لم يعلم بول أن ولده في سوريا، وهو يرسل له المال كلما دعت الضرورة، وإذا قاتل ولده في سوريا في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، أو في صفوف “الوحدات الكردية” كما قالت الصحيفة، فهو قاتل بجوار القوات الأمريكية التي تحارب تنظيم داعش الإرهابي، وبجوار قوات التحالف الدولي والتي بريطانيا “العظمى تقريباً” إحدى مكوناتها، قوات هذا التحالف الذي يحارب الإرهاب في سوريا على الأقل وفق ما يقول التحالف ذاته.
أما أن يتم وصف من يحارب الإرهاب بالإرهابي، وفي بريطانيا الديمقراطية، والتي تراعي حقوق الإنسان، وتهتم لما يجري لمسلمي الإيغور في الصين، وتطالب الدول الديكتاتورية، بإطلاق سراح الليبراليين الشباب المعتقلين، وتحض على احترام الآراء والأديان بالتوازي مع حقوق النساء، فهذا خارج عن المألوف، ومن الصعب فهمه.
إرسال 150 جنيه إلى “دانييل”، البريطاني الذي يقاتل مع قوات سوريا الديمقراطية، تستدعي التحقيق مع “بول”، ولكن توزيع الملايين على جماعات الأخوان المسلمين في بريطانيا، من جهات وحكومات دولية وعبر وساطات، وتخصيص أموال “سوداء” لإدارة ثقافة الموت والإرهاب في بريطانيا، وأوروبا والعالم، تحت مسميات مراكز أبحاث إسلامية، لا تستدعي التحقيق.
لا نحتاج إلى أدلة وتفكير عميق، لنستنتج أن حركة الأخوان المسلمين لا تلتزم بقيم الديمقراطية، ولا تمثل الاعتدال السياسي الإسلامي. فهي استخدمت العنف بشكل انتقائي بما يخدم مصالحها السياسية، منذ نشأتها وحتى الآن.
وهي تمارس سياسة الاغتيالات وتستمد ايديولوجيتها من أفكار مؤسسها حسن البنا، ومنظرها سيد قطب صاحب “العقيدة التكفيرية”، التي توزع تهمة الكفر على “كل” الآخرين، وتؤسس لاستخدام العنف للوصول إلى المجتمع الإسلامي الكامل.وقد أيد بعض كبار أعضاء الجماعة، الهجمات على القوات الغربية، بما فيها طبعاً البريطانية.
هناك اختلافات كبيرة بين خطاب الإخوان المسلمين الموجه باللغة الانكليزية، الذي يعتمد اللين والسهولة، وخطابهم باللغة العربية، الذي يعبر حقيقة عن ميولهم التكفيرية، وتؤكد المنصات الإعلامية التي ترتبط بالإخوان، ما نرمي إليه، عبر التحريض وتوجيهها التهم لمن تسميهم أعداءها الكفرة، من شخصيات وحكومات ودول وتجمعات، والتي يفهم عناصرها من خلال هذا الخطاب، أنها فتاوى للقتل.
صحيح أن نشاط جماعة الأخوان المسلمين في بريطانيا لا يحفل بالشرعية البوليسية، من حيث العضوية وجمع الأموال والبرامج التعليمية، لكنها تنشط، وتحت مرأى البوليس الذي اعتقل بول، لأنه أرسل 150 جنيه لولده، الذي يحارب الإرهاب الداعشي في سوريا، أمثال إرهاب جماعة الأخوان.

طالب إبراهيم

خاشقجي المعارض وخاشقجي النظام!

عادت إلى الإعلام، قضية مقتل الصحفي، وموظف الأمن السعودي جمال خاشقجي، بعد إصدار النيابة العامة السعودية، أحكاماً بحق المتهمين بقتله في السفارة السعودية في تركيا.
وعادت من جديد، حاجة السلطة في تركيا إلى استثمار القضية إلى أقصى درجاتها، بعد شعورها بأن المجتمع الدولي، ومؤسساته الإعلامية والحقوقية، لم تقم بواجبها كما تقتضي المصلحة التركية، ولم تحاسب من تريد السلطة التركية محاسبتهم.
قال الرئيس التركي اردوغان، إن قضية جمال خاشقجي لن تختفي، ولن نسمح بأن تكون قضية يتم مسرحتها، ويجب أن نعمل لنعرف من المسؤول الحقيقي عن أمر القتل، وليس فقط من نفذ.
في محاولة منه، لابتزاز خصومه وأعدائه، تحديداً منهم السعوديين، وهو المتهم بارتكاب جرائم وانتهاكات في الداخل التركي ضد خصومه من الصحفيين والأكاديميين والسياسيين، وفي خارج تركيا ضد حلفائه وخصومه على حد سواء.
بعد أن ثبّت اردوغان مصادر سلطته السياسية والحزبية، ومصادر ثروته، وثروة أسرته ومريديه وأعوانه، تحدث في الفترة الأولى، عن وجود طرف ثالث في عملية قتل الخاشقجي، هو رجل الدين المعارض فتح الله غولن.
كان يريد من وراء ذلك تصفية حسابات مع شريكه وتوأمه الاسلامي والسياسي غولن، والذي كان سبباً أساسياً في صعود اردوغان سلم الحكم في الدولة العميقة التركية، وكان الكابوس الحقيقي لاردوغان لما لديه من سطوة وقوة ونفوذ داخل تركيا وخارجها.
إن عملية قتل الخاشقجي، عملية مدانة حتماً، ولا تحتمل أي تأويل آخر، لكن يجب الحديث عن مسائل أخرى، تقود حتماً لفهم دوافع محاولات خطفه، ومن ثم قتله، بغض النظر إن كان القتل، نتيجة خطأ المنفذين، أو تنفيذاً لأوامر قتله.
كان الخاشقجي مستشار إعلامي للأمير تركي الفيصل، السفير السعودي في لندن وقبلها في واشنطن، والذي كان مديراً للمخابرات السعودية، والذي اختار أعضاء فريقه السياسي والإعلامي بعناية شديدة، وكان الخاشقجي أحدهم.
وكان مستشاراً ومنظراً لجيل كامل من الأمراء السعوديين. قبل أن يستلم مناصب صحفية وإعلامية عدة في السعودية، السعودية التي لا يمكن أن تسمح إلا لمن كان من داخل مؤسستها الأمنية والسياسية أن يستلمها.
وكان مفوّضاً عن الأمن السعودي، في مفاوضاته مع المعارضين السعوديين الذين ينتمون إلى الطائفة الشيعية. وكان لديه لحية كثيفة وطويلة، تعادل لحية أسامة بن لادن، حين كان في أفغانستان يغطي الأحداث الهامة في فترة الحرب الباردة، حين أرسلته السعودية إلى هناك كمراسل ومفاوض ورجل أمن.
ثم فجأة يغادر الخاشقجي بلاده، بعد أن ارتدى “زينة الليبرالية”، تاركاً خلفه تاريخاً حافلاً بالنشاط والعلاقات، ليرتدي الوشاح التركي القطري، تحت عنوان عريض جديد له، هو حرية الرأي والدفاع عن أصحاب الرأي، وكشف العيوب في السياسة السعودية، وانتقاد السعودية في الداخل والخارج وفق الهوى الأخواني، وداخل منظومة العمل التركية القطرية. ينتقد السعودية التي تحاول أن تخرج رويداً رويداً من تاريخها المتشدد والمحافظ والمظلم إلى بقعة من الضوء.
لم يكن الخاشقجي صحفياً مهنياً، يهتم بنشر الحقيقة التي يعرفها عن السعودية، كما وصفته الكثير من الصحف ووكالات الأنباء العالمية. بل كان ابن المؤسسة الأمنية السعودية، وانشق عنها، ليؤجر سمعته وتاريخه، وسلسلة طويلة من علاقاته داخل السلك الأمني والسياسي السعودي إلى أعداء السعودية القطريين والأتراك، وتصفيته تأتي ضمن سياق تصفية من يخون أمانة الجهة التي رعته، ومنحته سلطة وقوة وسطوة، وهو حساب يأتي ضمن سياق سلوك أنظمة وحكومات “شرعية” وصفت عبر التاريخ بالمتشددة، ويقارب سلوك تيارات سياسية وعسكرية “شرعية ثورية”، اعتمدته أيضاً لمحاسبة من كانت تصفهم بالخونة.
يحاول اردوغان استثمار مقتل الخاشقجي، وينسى أنه المسؤول الأول عن كل الانتهاكات والجرائم، التي يقوم بها جنوده ومرتزقته في سوريا خصوصاً، وفي الإقليم عموماً، والتي مازال المجتمع الدولي ومؤسساته الحقوقية والإعلامية غافلين عنها.

 

طالب إبراهيم

استمرار اعتقال الصحفيين في مصر!

تدين مراسلون بلا حدود استمرار حملة القمع الأكثر شراسة ضد الصحفيين في مصر منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي زمام السلطة. فبعد سلسلة جديدة من الاعتقالات، ارتفعت حصيلة الصحفيين المحتجزين منذ بداية موجة الاحتجاجات الشعبية في البلاد.
انضم كل من سلافة مجدي وحسام الصياد ومحمد صلاح وأحمد شاكر إلى قائمة الصحفيين المستهدفين في أكبر موجة من الاعتقالات في مصر منذ اندلاع الاحتجاجات التي أعقبت وصول السيسي إلى السلطة في عام 2014. ففي الإجمال، وثقت مراسلون بلا حدود احتجاز ما لا يقل عن 22 صحفياً منذ بدء الحراك الاحتجاجي في سبتمبر/أيلول الماضي، علماً أنه تم إخلاء سبيل ثمانية فقط من بين جميع هؤلاء.

ففي 26 نوفمبر/تشرين الثاني، تم اعتقال الصحفية المستقلة سلافة مجدي وزوجها المصور الصحفي حسام الصياد والمدون محمد صلاح بينما كانوا في مقهى بالقاهرة. وبعدها بيومين، جاء الدور على أحمد شاكر، رئيس تحرير جريدة “روز اليوسف” اليومية، الذي اعتُقل في منزله بمدينة طوخ، شمال العاصمة.

ويُعد سلافة مجدي وحسام الصياد ومحمد صلاح من المقربين من إسراء عبد الفتاح، القابعة رهن الاحتجاز منذ 12 أكتوبر/تشرين الأول، حيث كانوا من الأصوات المنددة بالتعذيب الذي تعرضت له زميلتهم أثناء استجوابها. وعلى غرار إسراء، تعرضت سلافة مجدي للضرب والإهانة لرفضها تقديم رموز الدخول إلى حسابها الخاص على فيسبوك.

هذا وقد وضعت نيابة أمن الدولة جميع الصحفيين الأربعة رهن الحبس الاحتياطي، على ذمة التحقيق بتهمة الانتماء لجماعة إرهابية، وكذلك “نشر أخبار كاذبة” في قضية سلافة مجدي.

وفي هذا الصدد، قالت صابرين النوي، مسؤولة مكتب الشرق الأوسط في مراسلون بلا حدود، “إن الاعتقالات في صفوف الصحفيين تتوالى بوتيرة غير مسبوقة منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة”، مضيفة أن “هذه الموجة من القمع تثير العديد من المخاوف، لا سيما وأنها تتواصل حتى بعد إخماد السلسلة الأخيرة من الاحتجاجات الشعبية”.

يُذكر أن اعتقال سلافة مجدي وحسام الصياد ومحمد صلاح له دلالات رمزية، علماً أن هؤلاء الصحفيين الثلاثة كانوا حريصين أشد الحرص على تغطية الاحتجاجات، وهم الذين كانوا قد شاركوا شخصياً في ثورة 2011 التي أدت إلى سقوط الرئيس حسني مبارك، علماً أن العديد من الأشخاص حول العالم أطلقوا حملات تضامنية للمطالبة بالإفراج الفوري عنهم. هذا وقد جاءت موجة الاحتجازات الجديدة بعد أيام قليلة من الملاحقات التي طالت مدى مصر، أحد المنابر الإعلامية المستقلة الوحيدة في البلاد، حيث اعتقلت الشرطة أربعة من صحفيي الموقع الإخباري لعدة ساعات على خلفية نشرهم مقالًا عن ابن الرئيس عبد الفتاح السيسي.

يُذكر أن مصر تقبع في المرتبة 163 (من أصل 180 بلداً) على جدول التصنيف العالمي لحرية الصحافة، الذي نشرته مراسلون بلا حدود في وقت سابق هذا العام.

طعم القومية بالتوابل الشرقية في أمستردام

في وسط أمستردام، العاصمة الهولندية، عاصمة الحب والجنس والمارجوانا. تتوزع مجموعة كبيرة من المطاعم العالمية. وقد يبدو مصطلح العالمية ترف، في صلب الحديث عن تداخل طعام ووجبات وصحون ليست طائرة.

في أمستردام العالمية، تحصل على أفخم قطع البيتزا الإيطالية من بين أصابع الطهاة المصريين. وعلى شريحة اللحم “أسادو” والسلطة الأرجنتينية الخاصة كما توصف في الدعاية المعروضة لها، بيدي الشيف عبد الهادي “أبدل”. وهو مغربي و”الحمد لله” كما قال بالضبط وهو يوزع صحونه بوقار.

وتحصل في رحلة بحث عائلية، عن أحد المطاعم الصينية بجوار شارع “دامارك”، على أرز لبناني، في أوان صينية.

لم يكن طعم البيتزا الإيطالية هناك، مختلف عن طعمها المجلّد في زاوية أخرى من الشارع. وقد كانت شريحة اللحم الأرجنتينية، جافة تماماً كما هي في مطاعم دمشق. والأرز كان حاراً أكثر من أن يكون صينياً.

أبحث منذ مدة عن طعم البلدان الأخرى في اطباق أمستردام الملونة. قد يكون طعم البلدان موجود في أطباقها. قد تكون ثقافة “تشو” الصينية القديمة موزعة في صحن أرز بالبيض، أو في خيار مقلي، أو في جبنة التوفو. وأدب خوان غيلمان الأرجنتيني مجبولة في سلطة أفوكادو. وروايات إيميليو غادا في قطعة بيتزا “مارغريتا”. ربما لا تتواجد الثقافة في الصحون، ولا علاقة لها بالتوابل. لكن هناك خيط بين الثقافة والطعم، يحدده الطهاة.

قد تكون أمستردام أضيق عاصمة لأوسع لغات العالم. مساحة صغيرة لكل الجنسيات. وقد تسمع كل اللغات في شوارعها الطويلة. الشوارع الضيقة والوسيعة والملبدة بالحركة. في أمستردام هناك معنى آخر للقومية. وطعم آخر للعالمية تختصره الاستراحات الكبيرة والصغيرة، ومطاعم لا تعرف جنسيتها. العالمية في أمستردام ليست شركة فيليبس ولا شركة شل.

في مطعم واحد من أمستردام تجد العالم كله. مطعم صيني وصحون صينية، والطاهي لبناني، والزائر هولندي. مطعم إيطالي وبيتزا إيطالية والطاهي مصري، والزائر أفغاني.

بلد واحد هو العالم في أمستردام. هذا العالم المثقل بالتنوع والمآسي والأفراح هو عبارة عن كتلة واحدة في العاصمة الهولندية الصغيرة.

طالب إبراهيم

شارع الجنس بجوار الكنيسة!

في السوق الكبير في مدينة هارلم “Haarlem” وسط المملكة الهولندية، توجد كنيسة كبيرة، بنيت في أواسط القرن التاسع عشر. تحول قسم منها إلى متحف، وأقسام أخرى إلى متاجر متنوعة. يحيط بالكنيسة مجموعة من المطاعم المتنوعة. وفي الجانب الآخر منها سلسلة من المقاهي والديسكوات.

يفصل بين الكنيسة ومحطة القطار، طريق مرصوف بحجارة القرميد. في وسطه شارع خاص باستثمارات الجنس. يتوسط الشارع محل لبيع كل مستلزمات الجنس، المثالي منه والشاذ والقاسي. كتب على “الآرمة” التي تنتصب في بداية المحل “Sex”.

على الجانب الآخر من الشارع تتوزع الغرف الحمراء الصغيرة، ذات النوافذ الزجاجية. تقف خلف كل نافذة منها، فتاة بلباس داخلي خفيف. تنشر بضاعتها الجنسية للزبائن هناك. بضاعة هي كل ما تملكه في هذا العالم الذي يعج بالبضائع.

في الغرفة الأولى تقف فتاة تبدو أنها قدمت من بلدان المشرق العربي. وقد خطت على زندها الأيسر كلمة أميرة باللغة العربية. صدرها جميل، يقف بكامل أبهته خلف سوتيان أسود. بشرتها السمراء تذوب تحت الضوء الخفيف الأحمر. وبجوارها فتاة إفريقية تدعو من يمر أمام نافذتها للدخول. على المقلب الآخر من نفس الشارع تجلس امرأة مسنة، تقرأ الجريدة بلباسها الداخلي أيضاً، يبدو أنها تنتظر زبائنها وسط جو ثقافي مميز.

تنتشر محلات أخرى لبيع مستلزمات الحياة الغير جنسية. يمر الناس من أمام كل المحلات. شاب مراهق أرسل قبلة إلى الإفريقية التي دعته مباشرة، وبحركات إباحية للدخول. لكنه ابتسم ومضى. ربما لا يملك 50 يورو ثمن نصف ساعة برفقتها.

قد يبدو الشارع نقطة مميزة. الجنس دائما مميز. والدين أيضاً مميز. والشارع يحوي مدخلي الحياة. الدين والجنس. شارع الجنس “الهارلمي” لا يخضع إلى رقابة دينية. لا تتدخل العصا الدينية في مدارات حياته، رغم أن الكنيسة لا تبعد إلا بضع خطوات. الرقابة الكنسيّة تاهت في معاجم الجنس واللذة والمقاهي. لقد فقدت أنيابها الصلبة.

كيف استطاع هذا المجتمع أن يروّض الكنيسة بهذا الشكل؟

كيف دخل الجنس من أوسع أبوابها؟ كيف رافقها في الطريق من الساحة الكبيرة إلى محطة القطار؟

هل يستطيع الجامع الإسلامي فعل ذلك؟ هل يتخلص من أنيابه الصلبة؟ هل يستطيع المجتمع الإسلامي الصلب، ترويض الجامع ، أم يكتفي بترويض البشر؟

طالب إبراهيم يكتب: الموت الهولندي والجنازات الكوميدية

في حي هولندي قديم في أمستردام، اجتمع المشيعون ممن تلقى دعوة المشاركة لوداع السيد “.. فان در لوب”. لا يمكن لك أن تكون موجوداً، مهما بلغت صداقتك مع السيد “فان”، إذا لم تحصل على دعوة. هذا ما نقله لي صديقي المدعو.

كان التابوت في وسط الغرفة، ممدوداً، ومفتوحاً، ويظهر فيه السيد “فان” في أجمل بدلة رسمية له، يمسك باقة ورد، فيما تناثر بعض الورد أيضاً هنا وهناك.

تحدثت أولاً زوجة الفقيد. قالت: “نحن هنا للوداع الأخير لفان، لكن يجب ألا نحزن كثيراً، لقد تحدث معي أكثر من مرة حول ذلك”. ثم طلبت من المدعوين الحديث عن ذكرياتهم مع “فان”.

كان يقترب كل واحد من المدعوين، ويتحدث عن أكثر المواقف كوميدية حدثت بينه وبين الفقيد، وكان يضحك باقي المدعوين. وتوالت الأحاديث، وتوالى الضحك. وشرب المدعوون كؤوس النبيذ بنوعيها الأبيض والأحمر. ثم انتهى موسم الضحك ذاك حين تحدثت الزوجة من جديد، وقالت أن شركة “حرق” الموتى ستبدأ عملها بعد قليل.

أغلق موظفون في الشركة التابوت، وحملوه بكامل الاحترام، وخرجوا به إلى سيارة سوداء، كانت تنتظر في الخارج. لم يرافق السيارة أحد على الإطلاق. وكان يجب على من تبقى من الأسرة أن ينتظروا عودة أحد موظفي الشركة بعبوة زجاجية، تختصر بقايا حرق الجثة، ليتصرفوا بها.

قال صديقي أن الأسرة تلك كانت “هيبية”. والأسر الهولندية المسيحية تختلف كثيراً بطريقة وداعها للموتى، عن طريقة الهيبيين، لكن ما يميز تلك الأسر أيضاً هي مقاومتهم للبكاء، ومحاولاتهم الجادة في كتم مشاعرهم.

في عالمنا العربي، قد تتشابه الإجراءات العامة في التحضير للجنازة، وقد تختلف تفاصيل أخرى، حسب الدين، وحسب الطائفة، وحسب الشارع وحسب الأسرة. وحسب الميت أيضاً. لكل ميت خصوصيته. وتختلف درجات الخشوع بين ميت وآخر. قد يحضر خشوع عالي الدقة والوتيرة بحضور ميت، وقد يزول بحضور ميت آخر. لكن لا يمكن حرق الميت حتى الآن. عملية الحرق يختص بها من بيده الأقدار. وهي قادمة إذا كان الميت سلبياً في حياته الفانية، وقد لا تأتي إذا كان إيجابياً.

سربست نبي يكتب: أردوغان والأسد.. العشق الممنوع!

الأسد وأردوغان، كل منهما يستشعر حاجته إلى الآخر في المعمعة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأكراد.
طوال تسع سنوات من التدخل التركي، الفج والسافر، في الشأن السوري، وما ترتب على ذلك من خراب وتدمير وتهجير للسكان في المناطق التي احتلها الجيش التركي بدعم من الجماعات الجهادية المعارضة، لم يفكر رأس النظام في سوريا أن يلغى اتفاقية أضنة التي أبرمها والده مع الأتراك، أو حتى يفكر بتعليق العمل بها. هذه الاتفاقية التي قدّم خلالها حافظ الأسد تنازلات كبيرة وعميقة تمسّ السيادة السورية للجانب التركي.
خلال تلك السنوات انتهكت تركيا عشرات المرات التعهدات المتبادلة بين الطرفين في الاتفاقية، وكان بمقدور بشار الأسد بالمقابل أن يلقي بالاتفاقية في سلة المهملات كردّ فعل على تلك الانتهاكات، إلا أنه لم يقدم على هذه الخطوة أبداً.
ومن جديد عاد الحديث عن اتفاقية أضنة، مطلع عام 2019، أثناء اجتماع مشترك بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الروسي، فلاديمير بوتين. وأشار الأخير، قائلاً: إن اتفاقية عام 1998 بين دمشق وأنقرة حول مكافحة الإرهاب وضمان الحدود الجنوبية لتركيا لا تزال قائمة، لافتاً إلى أنها يمكن أن تساعد في ضمان أمن تركيا. وبهذا التصريح المغري منح بوتين مبرراً سياسياً وقانونياً وذريعة لجيش أردوغان لغزو مناطق شمال سوريا وشرق الفرات، مشجعاً إياه على الاعتراف بشرعية الأسد رئيساً لسورية.
بشار الأسد وفي ذروة ضعفه وعجزه منذ 2013 وحتى يناير 2017، حينما بات محصوراً في قصره وفقد السيطرة على أكثر من 80% من أراضي البلاد، لم يتنصل من الالتزامات الأمنية والسياسية مع تركيا، تلك الالتزامات التي كانت تسوّغ لنظام أردوغان وجيشه أن يصول ويجول مع مجاميع الجهاديين المسلحين في جميع مناطق البلاد، دون رادع سياسي أو قانوني!
وفي الواقع فإن الصلات بين النظامين لم تنقطع طوال سنوات الصراع، وعلى الدوام كانت هناك لقاءات سرّية بين الطرفين سواء برعاية إيرانية أو روسية خدمة لهواجسهما الأمنية المشتركة.
قبل انفجار الاحتجاجات واحتدام الصراع الداخلي قدّم بشار الأسد وأردوغان نموذجاً فريداً للصداقة الشخصية والعائلية، وغزلاً متبادلاً لم ينقطع يوماً حتى أعلن الأخير في 21/9/2012 قائلاً إن بشار الأسد انتهى سياسياً وبات ميّتاً. ووصف حينها بشار الأسد بالإرهابي وأن سلطته تمارس إرهاب الدولة ضد شعبها، وأعداً اللاجئين السوريين في أحد المخيمات التركية أن يصلّي في المسجد الأموي قريباً!
حتى قبل هذا الوعيد كانت الأعلام التركية وصور رجب طيب أردوغان مع بشار الأسد تزيّن العواميد وترفرف على طول المسافة الواصلة بين العاصمة دمشق وبوابة الحدود التركية، التي تبلغ مئات الكيلومترات. وكانت كرنفالات الاستقبال التي يقيمها بشار الأسد لصديقه الضيف وزوجته متواصلة رحلة الصيف والشتاء، متخمة بشعارات التبجيل والتوقير والثقة بالمستقبل المشترك بين الشعبين والتفاؤل بحكمة القائدين( العظيمين).
اتخذ الصراع السوري منحى جديداً في سبتمبر 2015 بعد التدخل الروسي المباشر لصالح نظام بشار الأسد. واستطاع الرئيس الروسي بوتين بدهائه أن يستدرج أردوغان إلى جانبه بعد إسقاط الطائرة الروسية، وعزّز من ثقة الأخير بالدور الروسي وشكوكه بالدور الأوروبي والأميركي بعد وقوف بوتين إلى جانبه في المحاولة الانقلابية الفاشلة سنة 2016. كذلك عمّق الرئيس الروسي الفزع لدى أردوغان من تنامي الدور العسكري الكردي بعد معركة كوباني وهزيمة داعش هناك.
قاد كلّ ما سبق إلى تحوّل جوهري في الدور التركي، فلم يعد يشغل الرئيس التركي سوى الرّهاب الكردي، الذي بات يقضّ مضجعه، ولم يعد يكترث لأي تحوّل أو تغيير ديموقراطي دفع ثمنه الشعب السوري باهظاً من حياته واستقراره، مثلما صرّح مؤخراً إن الهدف الوحيد لتركيا بات هو محاربة جماعات مثل تنظيم داعش ووحدات حماية الشعب، وليس الإطاحة بالحكومة السورية. كذلك اعترف وزير خارجيته جاويش أوغلو بأن بلاده تدرس التعاطي مع الرئيس الأسد إذا فاز في انتخابات ديموقراطية!
من هنا شرع أردوغان، الذي انخرط بحماسة مع الأجندة الروسية في سوريا عبر تفاهمات واتفاقيات آستانا، ببيع المعارضة المسلحة انطلاقاً من حلب عام 2016 مقابل السيطرة على محور جرابلس- الباب- إعزاز. ومن ثم استدرج المسلحين في الغوطة، التي سلّمها للنظام سنة 2018، واستوطنهم في عفرين بعد أن احتلوها وهجّروا ثلاثة أرباع سكانها الأصليين. وأخيراً يدور الحديث عن رفع يده عن حماية الجهاديين والمسلحين في إدلب مقابل السماح لجيشه بالهجوم على مناطق شرق الفرات وإقامة منطقة آمنة تحت هيمنته.
إن أبرز نتائج هذا التحوّل في الدور التركي تتمثل في:
أولاً، تحوّل المعارضة المسلحة، والسياسية، التي استقطبها أردوغان لديه إلى مجرد مرتزقة لتنفيذ أجندة سياسة الأمن القومي التركي. وبالتالي تقويض الشرعية السياسية والأخلاقية لخطاب المعارضة والثورة، وبالمقابل تكريس مزاعم النظام التي أعلنها منذ البداية وبرر بها عنفه ضد احتجاجات الشارع السوري. ثانياً، تمكين النظام من خلال التفاهمات التركية-الروسية من استعادة السيطرة على مساحات واسعة، ففي شهر يناير 2017 كانت سيطرة النظام السوري لا تتجاوز 35944 كم مربع، أيّ ما يعادل 19.4 بالمائة من إجمالي مساحة الأراضي السورية، في حين أن سيطرته اتسعت وامتدت في 6 نوفمبر (كما يؤكد المرصد السوري) لتشمل مساحة 132257 كم مربع باجمالي 70.6% من مساحة البلاد.
ثالثاً، تهجير مئات الآلاف من السكان الأصليين في المناطق الكردية في الشمال، عفرين ورأس العين (سرى كانييه)..الخ وإحداث تغيير ديمغرافي، عرقي وثقافي، وتوطين تركمان من الداخل السوري ومن آسيا الوسطى وعرب من ريف حمص ودمشق، تمهيداً لضم هذه المناطق إلى الأراضي التركية.
رابعاً، إن سياسات التهجير القسري والسطو على أملاك وبيوت المدنيين ونهب مزارعهم في المناطق الكردية المحتلة كرّست انقساماً عميقاً وكراهية في المجتمع السوري من شأنهما أن تشكّلا وقوداً لحرب عرقية داخلية محتملة.
خامساً، منح الغزو التركي لمناطق الشمال السوري الفرصة لبشار الأسد كي يبدو بمظهر المدافع عن وحدة البلاد وسيادته ضد الغزو الخارجي.
فضلاً عن ذلك جعل أردوغان يستعيد قليلاً من سمعته الداخلية الآخذة بالتدهور، ليبدو بمظهر المحارب ضد الإرهاب الداخلي والخارجي في نظر الجمهور التركي المتعصب.
رغم ذلك، يتطلع بشار الأسد اليوم إلى تحقيق المزيد من المكاسب لنظام حكمه مستغلاً العداء الهستيري الذي يبديه الرئيس التركي للوجود الكردي، ويراهن على ضعف الأخيرين وإنهاكهم بسبب الغزو التركي وحلفائه. وهو في الجوهر لا يكترث، كما عهدناه، بالانتهاكات لسيادة الدولة السورية بقدر ما يعنيه أن يعود الكرد صاغرين لسلطته كي يتحولوا إلى بنادق تحت إمرته، كما تحولت المعارضة السورية المسلحة إلى بنادق رهن إرادة أردوغان.
هذا الرهان هو الذي يدفع بوتين إلى تأجيج مخاوف الرأس الساخن في أنقرة وتحريضه على الهجوم ضد الكرد.
بشار الأسد وأردوغان، كل منهما يستشعر حاجته إلى الآخر في هذه المعمعة، كلّ منهما يرى الآن أن هذا الآخر يستفزه ويشكّل تحدّياً له، إلا أنه يدرك أنه لا يستطيع أن يستغني عن دوره.
إنهما يتناحران على المكانة نفسها، كلّ منهما يريد أن يحتكرها بنفسه ولنفسه، إلا إن كلّ منهما يدرك في الوقت نفسه، أنه لا يستطيع أن يتمتع بهذه المكانة من دون وجود هذا الآخر، الضروري بالنسبة إليه.
كلاهما يمارسان الخديعة ذاتها، يوحيان بالحقد والكراهية اتجاه الآخر، إلا أنهما لا يملكان الحرّية في اختيار هذا العشق المحرّم والممنوع عليهما، فهما محكومان به، كلّ واحد يتمنى في قرارة نفسه بقاء الآخر طالما هو باق، ولا يملك الحرّية في التخلّص من هذا الآخر.
كلّ واحد يدرك حاجته وتبعيته للآخر لأنه على قناعة بأنه ليس وحده المسؤول عن مصيره، إنما مصيره يتوقف على وجود هذا الآخر، ولا يستطيع العيش بمفرده.
وفي نهاية المطاف فقد صار أردوغان مطبوعاً بسلوك بشار الأسد وراح يدير البلاد على طريقة الأخير، وقد استفاد كثيراً من تجارب وممارسات نظيره السوري في إدارة حكمه، رغم كل الهجوم والانتقادات التي أبداها ضد حاكم دمشق خلال تلك السنوات. في حين أن الأخير استمدّ كل مبررات استبداده وذرائع العنف ضد شعبه من وجود متطرف مثل أردوغان، وسيظلّ يعزز بقاء حكمه ويرسخ ركائز سلطته بوجوده. وبعبارة أخيرة، سيظلّ كل واحد عاجزاً عن تجاوز هذا التناقض بمفرده ويجد نفسه مكرهاً على التصالح مع الآخر في نهاية الأمر.
عن ميديل ايست اونلاين

1 2 3 5