هنا هولندا

باباجان اوغلو.. خليفة يتحضّر!

أعلن علي باباجان عن تأسيس حزبه “الديمقراطية والتقدم” في تركيا متأخراً شهرين عن موعد إعلانه.
استلم باباجان وزارة الخارجية التركية، ووزارة الاقتصاد، وكان المفاوض التركي الرئيسي لانضمام تركيا للاتحاد الاوروبي. قبل أن يعلن انسحابه من حزب العدالة والتنمية.
سبقه أحمد داوود اوغلو رئيس الوزراء التركي السابق، إلى تأسيس حزبه “المستقبل”، بعد انسحابه من حزب اردوغان، رفيق دربه في السياسة والمؤامرات.
وحظي حزب المستقبل التركي بحفلة كبيرة عند إعلان التأسيس، على عكس حفلة “الديمقراطية والتقدم” البسيطة، لكن مجلس إدارة حزب بابا جان، أغنى وأوسع.
يضم مجلس إدارة حزب الديمقراطية والتقدم، أربعة وزراء سابقين، و13 عضو سابق في حزب العدالة والتنمية، وخمسة بيروقراطيين عملوا في فريق عمل اردوغان فترة طويلة، وعمدة محافظة بالكسير أحمد أديب اوغور المعروف بأمين خزانة اردوغان الخاصة.
وضمت اللجنة التأسيسية للحزب أيضاً ضابطين متقاعدين أحدهما برتبة جنرال، لهما باع طويل بالساحة السورية.
وأعلن باباجان ميثاق الحزب، والذي يتضمن العودة إلى النظام البرلماني، ومنح المواطنين الأكراد حقوقهم الديمقراطية.
أتت الانشقاقات في حزب اردوغان من أعلى المناصب، ومن كبار مساعديه ورفاق طريقه، في الفترة التي أظهر فيها انقلابه عليهم، وعلى ميثاق حزبه، وطريقه. وفي الفترة التي شهدت فيها تركيا بروز قمعه، ونزوعه الشخصي للسلطة، وتفضيله عائلته وفسادهم على تركيا ومستقبلها.
يعاني اردوغان اليوم من أزمة داخلية، يختصرها انهيار سعر الليرة، ويعاني من أزمة خارجية، يختصرها انهيار سياسته في سوريا، كما في الإقليم.
لم ينجح في ابتزاز روسيا كما اعتقد في الماضي، حين غيّر اتجاه تحالفاته الأطلسية، واختار المعسكر الروسي. كما لم ينجح في ابتزاز اوروبا، على الرغم من تحقيقه حفنة من الدولارات، لكنها أقل بكثير مما يسمح له بوقف نزيف اقتصاده. ولم تثمر علاقاته العائلية والشخصية والمالية، مع الرئيس الأمريكي ترامب، في ليّ يد الأمريكان، على الرغم من حماس جيمس جيفري المنسق الأمريكي في الملف السوري، لشق طريق اردوغان في الإقليم.
انهيار اردوغان الثلاثي، في الداخل وفي تحالفه القديم مع الأطلسي، وتحالفه الجديد مع الروس، يسمح لغيره من زعامات الواجهة في تركيا، من أدوات الدولة العميقة التركية بالظهور.
حزب اوغلو المستقبل، وحزب باباجان الديمقراطية، أدوات جديدة، واوغلو ووزائه المنشقين معه، وباباجان وحاشية اردوغان، وخزينة أسراره، هم الاستثمار الجديد لبعض أدوات الدولة العميقة في المرحلة القادمة.
لا يعني ذلك أن الأدوات الأخرى خارج ساحة التنافس. لكن يعني أن درجة التنافس ستكون كبيرة، ويجب أن يخرج كل طرف فيهم أدواته.
استثمر اردوغان في الاخوان المسلمين وجهادييهم، واستثمر في الإسلام، وفي مشاعر المسلمين، واستثمر في التناقض الدولي في الإقليم، وتناقض المصالح، ولعب في تركيا وعليها، كما لعب في سوريا وعليها. والآن يقف متهالكاً.
شرحت وقفته على باب الكريملين منتظراً أن يفتح بوتين له الباب، شرحت أزمته مع الروس. وشرحت عودته من مؤتمر بروكسيل الأخير خائباً، جراء إعادة تفعيل اتفاقية اللاجئين التي حاول تفجيرها عبر إطلاقه اللاجئين إلى الحدود الاوروبية، وتلقى طعنة اوروبية دافئة بوقف التفجير، مقابل حفنة من الدولارات لا أكثر. وشرح رفض أمريكا تزويده بالباتريوت قبل أن يحل´أزمة اتفاقياته مع ال S400 الروسية، شرح عمق أزمته معها.
اردوغان اليوم على مفترق طرق، لعل أوسعها هو خروجه من اللوحة السياسية، محملاً بملف فساد كبير، أو بملف صحي كبير، عبّرت عنه قواه التي انهارت بعد دقيقتين من الانتظار في موسكو، وحاجته للجلوس.

طالب إبراهيم

السيدة شعبان وصحاف العراق!

تنبأت السيدة بثينة شعبان، مستشارة الرئيس السوري، بهزيمة أمريكا في سوريا، وقالت إنها “لصّ”، في حديثها مع قناة الاخبارية السورية، وتنبأت بسقوط نظام حكم اردوغان في تركيا، وتنبأت أيضاً، بأن الغارات الاسرائيلية على سوريا لن تشوّش على المواطن السوري.
عملت السيدة بثينة شعبان كمدرسة للأدب الانكليزي في جامعة دمشق، وبعد مجموعة من عمليات التجميل التي خضعت لها، عملت كمترجم للرئيس السوري السابق، ومستشارة سياسية وإعلامية للحالي.
تقوم السيدة شعبان اليوم، بدور محمد سعيد الصحاف، وزير إعلام صدام حسين، الذي شحن الشعب العراقي والعربي عبر مجموعة كبيرة من الأكاذيب في زمن الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003، انتهت كلها، عند هروبه بشعره المصبوغ، وبلباسه الداخلي، تاركاً بدلته العسكرية فارغة من كتله الدهنية، في كاراج منزله. قبل أن يظهر في الإمارات، رمادي الشعر، متهدل التجاعيد، ويقول على قناة العربية، إنه رجل بسيط.
في لقاء سابق على قناة الميادين، قالت شعبان، إن الاقتصاد السوري الآن، أفضل بخمسين مرة منه عام 2011، وهي ترفع سبابتها أمام المذيع “الميادني” المتفاجئ.
وقالت في صحيفة الوطن السورية، إن اتفاق بوتين واردوغان حول إدلب، “مكسب كبير” لسوريا لو تم تنفيذه، لأنه يشدد على محاربة الإرهاب، ووحدة وسيادة الأراضي السورية، قبل أن تردد، أن هذه ثوابت سوريا.
وأكدت السيدة المستشارة، أن غياب الاسد عن حضور المفاوضات والاتفاق في موسكو، مردّه أن الأسد لا يرضى أن يجلس مع اردوغان الاخواني، سيما أن تصريحات هذا “التركي الرئيس” غير عاقلة وغير مسؤولة.
كان هذا قبل أن يقول الأسد في مقابلته مع قناة روسيا 24، أنه جاهز لعودة العلاقات السورية التركية إذا تخلى اردوغان عن دعم الإرهاب. وكان قد أرسل علي مملوك رئيس مجلسه الوطني، للقاء حقان فيدان رئيس المخابرات التركي، للتنسيق الأمني وربما العسكري وربما السياسي في فترة سابقة، وبرعاية روسية. وقبل أن تكتشف السيدة شعبان، أن اردوغان اخواني، وغير جدير بالمقابلة والتفاوض، خاصة أن الرئيس الروسي بوتين، يقوم بهذا الدور، يفاوض بدلاً عن الأسد وعليه، وبديلاً عن سوريا وعليها.
روسيا حليف موثوق تؤكد السيدة بثينة، ويمكن الاعتماد عليها، فقد حضن بوتين الاسد في زيارة سابقة، وابتسم له، على عكس العبوس الذي واجه به اردوغان.
تقدم المستشارة دروساً جديدة في فهم السياسة، وقراءة المواقف، وربما قراءة الكفّ، اعتماداً على مساحة الحضن، وعبوس الوجوه.
لكنها، تخمّن بطريقة غير سياسية، وهي تقرأ بعض تفاصيل اتفاق اردوغان بوتين حول إدلب، بأنه لو تم تطبيق هذا الاتفاق، فستعود أريحا وجسر الشغور إلى سيطرة “الحكومة السورية”، وسيفتح طريق حلب اللاذقية.
لا تستطيع تأكيد ذلك، وتستخدم “لو” المفردة التي لا تشير إلى شيء عقلاني أو مسؤول، رغم “المكسب الكبير” الذي حققته روسيا في مفاوضاتها على سوريا، ورغم وثوقية بوتين، الذي حضن الأسد، والذي يفاوض بديلاً عنه، والذي يقبل أن يجلس مع الاخواني اردوغان، للتفاوض على سوريا، ويفتح السماء السورية، أمام الطائرات والصواريخ الاسرائيلية لتقصف مواقع في سوريا، ويتم قتل جنود سوريين وغيرهم فيها، ويغضّ الطرف عن محاولات “العدو” الاسرائيلي في التشويش على بقايا المواطن السوري، الذي لا يملك جنسية أمريكية كما هي حال أولاد السيدة شعبان، ولا يملك جواز سفر دبلوماسي كحال السيدة المستشارة، ويعاني من تردي الاقتصاد السوري أكثر بخمسين مرة منذ بدء الأزمة، على أقل تقدير، وينتظر بفارغ الصبر أن يرى في كراج بيت السيدة المستشارة، بقاياها قبل أن تهرب، وتظهر على قناة تلفزيونية لتقول، إنها إنسانة بسيطة.

طالب إبراهيم

النفط و الكورونا وحروب في الأفق!

ثلاثون دقيقة في فندق حياة بارك في فيينا، الجمعة 6 آذار، ولقاء عاصف بين ألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي، ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، كانت كافية لإشعال حرب اشبه بالنووية كما وصفتها صحيفة الفايننشال تايمز يوم الجمعة 13 آذار.
قبل ذلك بيوم كانت النقاشات في فيينا تدور حول ضرورة خفض الإنتاج بمقدار 1.5 مليون برميل يوميًا للأشهر الثلاثة المقبلة، استجابة لانهيار الطلب العالمي بسبب تفشي فيروس كورونا.
وحصل تلاسن قاس بين الأمير السعودي والمندوب الروسي بحسب الصحافة الغربية.
خلال ساعات وبعد مشاورات بين الوزير والأمير محمد بن سلمان، انقلب الامر تماما بقرار مزلزل. أطلقت المملكة أول قنبلة، وخفضت شركة أرامكو، سعر نفطها الخام. ثم كشفت رويترز ان الرياض عرضت على بعض الشركات اسعارا تقل عشرة دولارات عن السعر المعلن، وكان واضحا ان هذا العرض قدم لشركات في شمال شرق أوروبا، السوق التقليدي للنفط الروسي.
هكذا انخفض سعر البرميل من 55 دولارا الى 35 دولارا، بين ليلة وضحاها. يوم الثلاثاء استفاقت موسكو على قنبلة أخرى اذ رفعت السعودية انتاجها من النفط إلى 12.3 مليون برميل في اليوم، وهو ما يزيد 2.6 مليون برميل في اليوم عن إنتاجها الأخير. بعد ذلك بيوم واحد، أصدرت أرامكو بيانا، انها سترفع الطاقة الإنتاجية إلى مستوى قياسي يبلغ 13 مليون برميل في اليوم.
مذبحة الأسعار التي بدأتها السعودية الحقت اضرارا هائلة وفورية في الأسواق.
اول المتضررين بالطبع كانت روسيا، فسعر انتاج البرميل من النفط يصل الى 25-30دولارا، ولا يمكنها احتمال نزول السعر اقل من ذلك، وقد حاول الوزير الروسي نوفاك التوصل الى سعر لا يهبط عن ال 40 دولارا للبرميل، لكن جهوده فشلت.
ثاني المتضررين هو إيران حيث اضطرت لبيع نفطها في السوق الموازي بسبب العقوبات الى ما يقل عن عشرين دولارا للبرميل.
المتضرر الثالث هو كارتيلات صناعة الزيت الصخري في الولايات المتحدة، فكلفة انتاج البرميل بسبب الدعم الهائل من الحكومة وصل الى 47 دولارا للبرميل، وهو الذي مكن الولايات المتحدة من ان تصبح مصدرا رئيسيا للنفط، واحتلت العديد من الأسواق الروسية التقليدية، وإذا ما استمرت حرب الأسعار حتى نهاية العام فان كل الصناعة معرضة للتوقف وخسائر بترليونات الدولارات.
في الحديث مع خبراء حول قدرة السعودية على احتمال هذه الكارثة الاقتصادية التي فجروها، تبين ان السعودية ماضية في حرب الأسعار الى النهاية، حتى لو هبط سعر البرميل الى عشرة دولارات، لان كلفة استخراج البرميل هو الأقل في العالم، إذ يتراوح 7-9 دولارات فقط. ولهذا تبيع الرياض في السوق الموازي بنحو 20 دولارا للبرميل وتستطيع النزول بالأسعار أكثر من ذلك. كما ان تعليمات صدرت لكافات القطاعات والمؤسسات الحكومية السعودية بتخفيض موازناتها للمشاريع بنسبة ثلاثين بالمئة، استعدادا للازمة القادمة.
التأثيرات على شركات النفط كان كارثيا، يوم الثلاثاء أعلنت شركة أوكسيدنتال بتروليوم، تخفيض الأرباح بحوالي 90%.
وبحلول يوم الخميس، انخفضت أسهم شركة BP إلى أدنى مستوى لها في 24 عامًا. وتقلصت القيمة السوقية لشركة إكسون إلى 178 مليار دولار فقط، وتعالت صيحات المسؤولين التنفيذيين عن الطاقة في الولايات المتحدة، للضغط على البيت الأبيض للحصول على المساعدة وتعويض الخسائر.
بصرف النظر عن صحة او خطأ القرار السعودي، فتقييمه سيأتي من الخبراء والاقتصاديين المحترفين. لكن الذي يحتاج الى فحص وتدقيق، هو الاثار السياسية لهذه الحرب الكونية التي أعلنتها الرياض، لتضاعف الاضطراب العالمي مع فيروس الكورونا.
يقيناً أنها حرب أسعار، تختلف عن كل سابقاتها. فكل الاستراتيجيات التي وضعتها روسيا سياسيا وعسكريا، تقوم على وفرة انتاجها النفطي، والفائض المالي الهائل الذي توفره أسعار النفط عند 50 دولارا للبرميل بالحد الأدنى.
وفي تقديري، الذي يحتاج الى فحص، هو ان روسيا وإيران لن تقفا مكتوفتي الايدي، ومعهما دول مثل إيطاليا وفرنسا اللتان تدعمان ميليشيات ليبيا مقابل نفط يصل 18 دولارا للبرميل، وليس في تصوري غير الحرب بأشكالها ومناطقها المختلفة.

محمد مشارقة

كاتب فلسطيني

بوتين يخون أيضاً!

أعاد الرئيس التركي اردوغان السيطرة من جديد، على قرى وبلدات في ريفي إدلب وحماة، بعد تنفيذ تهديده، وتسيير طائراته ومدافعه ومدرعاته وجنوده ومرتزقته، وتحت مسامع وأنظار الرئيس الروسي بوتين، وأمام أنظار السوريين، جماعات وأفراداً، معارضات وموالاة، وتحت عنوان مثير لعدوان جديد اسمه “درع الربيع”.

طالب اردوغان بداية بتنحي روسيا جانباً، حتى يتمكن من محاسبة النظام السوري وجيشه على سلوكه المشين، الذي أدى إلى استعادة بلدات وقرى كانت تحت سيطرة الجهاديين، قبل أن يستنفر لاجئيه بالزحف إلى الحدود اليونانية، ويوقد جيشه تحت شعار الحق المشروع، ويشحن مواطنيه المستائين من مقتل جنوده في موطن السوريين، واضعاً نصب عينيه ملاذين اثنين:

أولاً خيانة الرئيس الروسي بوتين لحليفه في دمشق، وثانياً سماحه “أي بوتين” بكل طيبة خاطر ومرونة، بقصف الجيش السوري والمواقع والمدرعات والآليات والطرق، وفتح سماء إدلب أمام أسراب طائراته المسيرة الجرارة لتنفيذ مهماتها بكل دقة.

خان الرئيس الروسي بوتين القذافي الرئيس الليبي السابق، حليفه في ليبيا حين وافق في مجلس الأمن على تدخل الناتو في ليبيا، لمحاسبته، بعد سيل الوعود الغربية التي تلقاها، بضمان مصالح روسيا في ليبيا الحديثة. لكن الناتو والمجتمع الغربي وأمريكا تنكروا لوعودهم.

خان الناتو بوتين، وخسر حليفه وليبيا.

تحدث الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله عن “خيانة بوتين” في فترة سابقة، بطريقة غير مباشرة، بطريقة خجولة، حين قال “الروس قصة أخرى، لا أريد الحديث عنهم”. كان هذا قبل ان تتحدث تقارير صحفية محلية وتركية عن استهداف الطائرات التركية، لموقع يتحصن فيه مقاتلو حزب الله من فرقة الرضوان في سراقب، أدى إلى مقتلهم جميعاً، تحدثت التقارير أن الروس أعطوا إحداثيات الموقع للأتراك.

احداثيات مواقع سوريا المهمة، المموهة والمكشوفة موجودة لدى من يود القصف، من تركيا إلى اسرائيل، والطائرات المعادية تقصف، وبمعرفة الروس، وبالتنسيق معهم وبضمان عودتهم سالمين.

ودمشق الشرعية، والتي فتحت حدودها وموانئها وقواعدها وشوارعها وناسها، للتدخل الروسي، هي ذاتها التي تستهدفها الطائرات والصواريخ الإسرائيلية صباح مساء، وبمعرفة وتنسيق القيادة الروسية. روسيا تمنح “الشرعية” للطائرات الاسرائيلية بقصف سوريا بالجملة، مواقع الجيش ومواقع إيران وميليشياتها ومواقع مجهولة.

لقد تحولت دمشق من عاصمة الشرعية، بقدرة بوتين إلى عاصمة القصف الاسرائيلي.

لم يتردد القيصر الروسي أيضاً، في فتح المجال الجوي أمام تركيا، لأن مصالحه مع تركيا أكبر من إدلب، وأكبر من حفنة من الآليات العسكرية الخردة، والجيش الخردة، والبلاد الخردة.

سوريا بالنسبة لبوتين اليوم خردة جغرافية، تسيطر عليها سلطة “شرعية”، يحتاجها لإضفاء الشرعية على تواجد جيشه في المدن الرئيسية والساحات المهمة، وتواجد شركاته في مفاصل الاقتصاد السوري الآن وفي المستقبل،. سلطة شرعية يحدد صلاحيتها القيصر وحده.

طالب إبراهيم

اردوغان في حرب اللاجئين!

فتح الرئيس التركي اردوغان حدود تركيا البرية والبحرية أمام اللاجئين للهجوم على اليونان. نقلت باصاته “البيضاء” الآلاف منهم مجاناً، وعبر الآخرون، حتى وصل العدد قرابة 130 ألفاً، ساروا في خطوط متوازية، وأمام البوليس وحرس الحدود والمخبرين الأتراك، معلنين الانتصار على حالات القرف والضغط والاستعمال التركي.

فروا من سياط الجحيم التركي، متوجهين إلى الفردوس اليوناني. في حادثة تكشف زيف الحنان التركي، وزيف خطابات اردوغان وحاشيته وحزبه عن قلب تركيا الكبير، وضيق صدر اوروبا والعالم.

هناك تسعيرة واضحة لكل لاجئ سوري أو غير سوري في تركيا، تسعيرة يعلنها اردوغان في كل بازار سياسي أو مالي، تحت عنوان إنساني عريض : “لدي لاجئون”. وفي مساومة وضيعة “خذوهم أو ادفعوا ثمن حبسهم”.

تدفع اوروبا المليارات، لقاء قفل الحدود التركية في وجههم. وتقدم ما طاب لاردوغان في البازار السياسي.

في بازار إدلب تعود من جديد، مسألة بناء منطقة أمنية في الشمال السوري، برعاية وتوجيه وتحديد تركي، بحجة تركية ممجوجة، هي غرس اللاجئين السوريين الفارين من جحيم المعارك.

المعارك هي ذاتها التي يصنعها اردوغان ومرتزقته، تكراراً لنتيجة واحدة، هي “لاجئون ومنطقة آمنة”.

معارك قاسية وصعبة، تترنح سوريا تحت جبروتها، وربما تشهد ترنح الساحة التركية العسكرية والسياسية أيضاً في القريب العاجل، على الأقل هذا ما تحدثت عنه المعارضة التركية والبرلمان التركي والشارع.

يريد اردوغان قبل ترنح تركيا، إنشاء مناطقه الآمنة، بموافقة روسية تارة، أو أمريكية تارة أخرى، ولكن حتماً بأموال أوروبية.

سترضح اوروبا الضعيفة والمنقسمة والانتهازية، أمام ضغط اردوغان، وستقدم المال والمواقف السياسية. وكان ترنح ميركل رئيسة وزراء ألمانيا قبل الجميع، تحدثت قبل وصول آلاف اللاجئين إلى عتبات ألمانيا، عن ضرورة بناء منطقة آمنة في الشمال السوري، في سياق الكم الهائل من كلمات التزلف والحنان والشعور بالمسؤولية في خطابها ذاته، تجاه ما يعانيه سوريو الحرب في إدلب وفي سوريا عموماً.

وسارعت أمريكا على لسان منسق الملف السوري جيمس جيفري، بالحديث عن دعم تركيا بالذخيرة والسلاح في حربها ضد النظام في إدلب، ولسان حاله يقول دعم تركيا في مواجهة روسيا في الإقليم، والضغط على أوروبا في استجرار تنازلات سياسية ومالية، أو في تصريح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام: “نقدر بشدة ما تفعله تركيا للوقوف بجانب المواطنين السوريين في إدلب”.

أما روسيا المستهدفة، فقال أحد مسؤوليها إن الأرقام التي يقدمها اردوغان بالعام غير صحيحة، فعدد سكان إدلب أقل من 2 مليون، ومن نزح أقل من مئة ألف، ولم يصل أحداً من هؤلاء إلى الحدود التركية اليونانية لأنهم محبوسين في الحدود السورية التركية. وأرقام اللاجئين التي يقدمها للإعلام غير صحيحة، وهو يريد إرسال 130 ألفاً من اللاجئين إلى اوروبا.

لم ينس المسؤول الروسي التذكير بالمعلومات الموثقة والمعروفة، عن عمليات التطهير العرقي والتهجير القسري التي قام بها اردوغان في حروبه الثلاثة في سوريا، والتي أدت إلى تهجير مئات ألاف الأكراد من ديارهم وزرع التركمان بديلاً عنهم.

حديث المسؤول الروسي يأتي قبل لقاء اردوغان ببوتين، في تذكير واضح منه، أن لدى الروس الكثير من أوراق القوة التي يستطيعون استعمالها في مواجهة اردوغان إذا اختل ميزانه.

كان ذلك بعد أن صرخ أحد أعضاء حزب العدالة والتنمية، حين قال إن الحرب التركية الروسية ال 16 قادمة لا محالة.

اردوغان يفتح ملف اللاجئين القديم الحديث، للضغط في اتجاه بناء منطقة آمنة، ويرسل عينة منهم عبر الحدود، ليعرف الأوروبيون ماذا يعني تحديداً.

اوروبا تغلي، لكنها تبحث عن ثمن جديد، لصفقة ناجحة مع اردوغان، قد يكون الثمن على حساب الجغرافية والسوريين.

أمريكا تنتعش وتراقب، لأن الضغط على اوروبا مكسب لها، رغم ما تخطه الأدبيات القديمة عن عمق التحالف الغربي.

روسيا تملك الساحة السورية، على الأقل في اتفاقيات سوتشي والأستانة، وتملك قوة المناورة في تذليل المطالب التركية، ومطامع اردوغان، لكنها في حدود الوطن السوري، وبازار العلاقات الجيوسياسية، وضرورة الحفاظ على تركيا في مربع توازناتها الإقليمية، قد تقدم جزرة المنطقة الآمنة، في حدود ما، حدود قد تفتحها اتفاقيات روسية امريكية تركية قادمة.

طالب إبراهيم

ادلب.. إنها الحرب إذن!

دخلت قوات تركية إلى محافظة إدلب شمال غربي سوريا، ووصلت أعدادها قرابة ال 100 ألف جندي وضابط. وقبل ذلك، يقاتل بحذاء الجيش التركي عشرات آلاف المرتزقة، سوريون وغير سوريين، يتوزعون على ميليشيات جهادية مكشوفة، وجهادية مموهة، في حرب خطها الواضح رسم خارطة جيوبوليتيكية متفق عليها في الأستانة بالعام، وتبقى تفاصيل دقيقة يجب الانتهاء منها، قبل موعد ولادة حدود جديدة، تؤلف بين المتخاصمين، وتزيد توافقهما.

تنشر وكالات الأنباء العالمية والعربية والمحلية، أخباراً عن خلافات جوهرية روسية تركية، وتشير إلى احتمال انكسار العلاقة بينهما، ورجوع تركيا العميقة، إلى موقعها الطبيعي في حلف شمال الأطلسي، على وقع تصفيق أمريكي، احمرت أطراف جيمس جيفري المنسق الأمريكي في الملف السوري منه.

هل حقاً هي بداية الانشقاق الروسي التركي!

هل تفكر تركيا بالقذف بمصالحها الحيوية، المادية والمالية والغازية والتجارية مع روسيا، من أجل بضعة كيلومترات في الشمال الغربي السوري!

هل تفكر بالتخلي عن مصلحتها الحقيقية في تحقيق الاكتفاء الذاتي من خط الغاز الروسي، بحصولها على مادة الغاز من الخط مباشرة! هل تفكر بقطع التبادل التجاري والذي تخطت عتبته مليارات!

هل تفكر روسيا بالتخلي عن مشروعها الغازي، الذي تعتبره منقذها من الحصار الغربي، والذي كلف جهوداً كبيرة وأموالاً كثيرة، عبر الاتفاق مع الأتراك حوله، وعبر مده وحمايته والتواصل مع المستهلكين في أوروبا الشرقية منها والغربية، هل تفكر بالتخلي عنه، ومن أجل ماذا؟ من أجل الحفاظ على سورية إدلب، ووحدة المدينة والمحافظة سكانياً وجغرافياً، وانتمائها للوطن السوري المنقسم والمشوه والمأزوم والمباع!

هل يعتقد الرئيس السوري، المرتهن للقرار الروسي، أنه يستطيع متابعة المعارك، بجيش يفتقد العدد والعدة والعقيدة والخارطة والهدف والطريق!

الدول الكبيرة لا توقد الحروب فيما بينها مباشرة. لغة المصالح أكبر بكثير. وفي مسار السياسة المرتهنة للمصالح، يتم استبعاد كل المبادئ، وحضور مكيافيلي واضح وشفاف.

مكيافيلي أمريكي وآخر روسي وثالث تركي، ولا يغيب أبداً عن اللوحة مكيافيلي إيراني يتواجد في كل مفصل في المنطقة، يهدد بإثارة الحروب، ثم ينسحب إلى وكره، ليستعين بأطرافه العنكبوتية.

الحرب التي كان يجب أن تندلع في الفترة الماضية كانت بين أمريكا وإيران. لكنها لم تحدث. ولن تحدث.

لماذا؟ لأن وضوح المكيافيلين ألغاها.

هناك مصلحة أمريكية في انكسار العلاقة التركية الروسية، رسمتها كل الإشارات التي رشحت عن القيادة الأمريكية، في فترة الأزمة الأخيرة، من قبيل أطلسية تركيا، وتركيا هي الناتو، والناتو هو تركيا، وفي فترة الأزمة الماضية، حول تشريع الاحتلال التركي لمناطق في شمال وشرق سوريا، على حساب شركاء أمريكا في محاربة الإرهاب، وفي هزيمة داعش العائد إلى الحياة.

لكن “تركيا العميقة”، التي تستعمل اردوغان وحزبه الإسلامي، وجموع الجهاديين بكل منابتهم الفكرية والتمويلية، تعرف من أين يؤكل الكتف، وتعرف أن مصلحتها الحقيقية هي في استثمار علاقتها الأطلسية، واستثمار علاقتها مع معسكر روسيا في الإقليم.

وتعرف روسيا البوتينية، أن مصلتها فوق كل اعتبار، فوق سورية إدلب، وسورية سوريا، وسورية النظام، وتعرف أن الخلاف الروسي التركي اليوم، هو خلاف عائلي، حول عدد الأطباق في المائدة. لا أكثر.

طالب إبراهيم

صفقة الضفة والقطاع ورقصة ترامب!

كشف االرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تفاصيل صفقته “صفقة القرن” حول القضية الفلسطينية، وحول دور إسرائيل المستقبلي، ودور بعض العرب، مؤكداً على وحدة القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وعلى شرعية مستوطنات الضفة وملكية اسرائيل لغور الأردن، وحرمان الفلسطينيين من حق العودة. وذلك في البيت الأبيض يوم 28 كانون الثاني، وبحضور رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وغياب أي مسؤول فلسطيني.
ثلاثة نقاط رئيسية لم تغب أبداً عن استراتيجية اسرائيل التفاوضية منذ كامب ديفيد وحتى الآن. القدس والمستوطنات ومنع العودة.
من جهته تحدث رئيس الوزراء الاسرائيلي عن 6 شروط رئيسية في الصفقة، هي مفتاح فهمها كاملاً، والشروط هي القدس موحدة وعاصمة لاسرائيل، واسرائيل دولة يهودية، وتسيطر على غور الأردن، وعدم اقتلاع أي اسرائيلي أو فلسطيني من بيته، ونزع سلاح حماس والقوى الأخرى، وحل قضية اللاجئين خارج اسرائيل.
وأكد ترامب وجود ممولين، ومستثمرين للصفقة، واعتبرها فرصة تأتي لمرة واحدة، لمساعدة الفلسطينيين على تخطي أزمة “الصفقة”، عبر قبض ثمنها “نقداً”، ولوّح بمبلغ 50 مليار دولار لدعم النمو الاقتصادي، وتخفيف الفقر فيما تبقى من الضفة والقطاع، وقبل أن يستغرب متسائلاً، هل هناك من يرفض هذا المبلغ!
وبإعلان الصفقة من البيت الأبيض وبوجود رئيس الوزراء الإسرائيلي المتهم بقضايا فساد، بنيامين نتنياهو، وغياب أي مسؤول فلسطيني، حتى أولئك الذين يعملون في خدمة سلطة إسرائيل أو سلطة الولايات المتحدة، كل ذلك يشير أن الصفقة الأمريكية الاسرائيلية، لا تريد شريكاً لها لمتابعة تفاصيل تنفيذها، فهي قرار من “فصيل أمريكي” فصيل ترامب، وعلى الفلسطينيين أن يوافقوا عليها كما هي، لأنها الفرصة الأخيرة لهم لإنشاء دولة منزوعة الأرض والسلاح والأمن واللاجئين والمقدسات.
بدا المؤتمر الصحفي لترامب ونتنياهو، كما لو أنه دعاية انتخابية مبكرة لكليهما، أو بالحد الأدنى لترامب. لأنه كما قال نتنياهو عنه، إنه أفضل رئيس أمريكي في مساعدة اسرائيل، وشبه لحظة إعلان صفقة القرن ب “التاريخية”، وهي تشبه إلى حد كبير، اعتراف أمريكا بدولة اسرائيل على يد الرئيس الأمريكي ترومان، بعد إعلانها عام 1948.
وتعترف اليوم 163 دولة في االعالم بإسرائيل، وكان الاتحاد السوفياتي أول من اعترف بها قطعياً، ثم تلاه إيران، قبل أن تسحب الاعتراف مع وصول الخميني للحكم.
صفقة القرن هي إعلان اعتراف آخر باسرائيل الموسعة، من قبل رئيس امريكي آخر، يعاني من مشاكل داخلية كبيرة، ومن محاولات ديمقراطية لعزله، ستبوء بالفشل.
وهي دعاية انتخابية اسرائيلية مبكرة لإعادة انتخابه، وممن! دعاية من نتنياهو المأزوم داخلياً، ليس بسبب ملف الفساد، ولكن بسبب عجزه مرتين عن تشكيل حكومة اسرائيلية، بعد فوزه بالانتخابات، وربما بعد ترجيح فوزه للمرة الثالثة.
نتنياهو المأزوم، يدعو لاعادة انتخاب ترامب المأزوم، عبر صفقة “القرن” المأزومة، التي وإن كان عنوانها، “من السلام إلى الازدهار”، لكن محتواها هو تشريع الاحتلال الاسرائيلي، وتذييل العقبات الحديثة أمامه. وفي المقابل فقدان الفلسطينيين على دولتهم وأحلامهم وبأيدي قادتهم في الضفة وفي القطاع وفي المهجر، وسط انهيار الدول العربية المحيطية، والبعيدة.

طالب ابراهيم

نانسي وزوجها القاتل والسوري!

ذكرت وكالات إعلام لبنانية، أن منزل المغنية اللبنانية نانسي عجرم تعرض لهجوم “لص سوري”، قبل أن يسارع زوج المغنية “فادي الهاشم” إلى قتله، وإظهار صورته شبه عار، لتحتفل الوكالات اللبنانية، ونانسي عجرم، وهيفاء وهبي، وناشطو الفن السيامي، بالانتصار الكبير، الذي حققه القاتل الهاشم اللبناني في الجسد السوري المنهك.
ذكر الإعلام اللبناني أن السوري من محافظة إدلب السورية، واسمه محمد حسن الموسى. وأن هدفه كان سرقة منزل المغنية، ولكن محاولته باءت ب”القتل”.
يقدم موقع الجسر السوري معلومات أخرى، عن السوري القتيل، وعن سبب وجوده في منزل السيدة نانسي، معلومات لم يسع الإعلام اللبناني “النانسوي” البحث فيها.
عمل الموسى في حديقة فيلا السيدة نانسي، كفني صيانة وبستاني، وكان يجب أن يتقاضى مستحقات نقدية، على عمله، ومستحقات مالية أخرى، كانت بحوزة أحد حراس الفيلا. وحاول مراراً وتكراراً الحصول على ماله، وبالطرق السلمية، دون فائدة.
وأكد أهل القتيل لموقع جسر أيضاً، أن القتيل انتظر مقابلة مع “الهاشم” زوج نانسي عجرم، أكثر من 5 ساعات بحديقة الفيلا، دون ان يسمح له بالدخول، ودون أن يراعي الهاشم ونانسي والإعلام اللبناني حاجة لاجئ سوري، وعائلته وأطفاله للمال المستحق.
كان القتيل يعرف أنه لن يحصل على مستحقاته من خلال الأمن اللبناني أو القضاء اللبناني، لأن لبنان ليس ذاك البلد الذي يعرّف عنه بالموسوعات الفنية على أنه سويسرا الشرق، ولكنه مقاطعة للمحسوبيات، ولأن نفوذ نانسي عجرم في مساحة لبنان الصغير هائلة.
اعتبر أهالي قرية الشاب السوري القتيل، أن دم ابنهم لا يجب أن يذهب هباء، ويجب فتح تحقيق حيادي بجريمة القتل، وإذا كان الموسى قد هدد بأنه سيحصل على ماله، بأي شكل كان، إذا لم يستطع الحصول عليه بالطرق السلمية، فهذا يجب أن يكون بوجود أدلة واضحة، لا كما ورد في الفيديو الذي عرضه الهاشم، عن ظل رجل ملثم، لا يحمل سلاح تارة، ويحمله تارة أخرى، أو في حديث الهاشم القاتل حين قال له القتيل: “استاذ فادي بدي المصاري إذا سمحت”.
لا يعرف الإعلام اللبناني، ماذا تعني مفردة استاذ، ولا ماذا تعني عبارة إذا سمحت، ولا يتخيل هذا الإعلام، كيف يمكن أن يكون اللص اللاجئ والعامل، كيف يكون صاحب حق!
وربما يتصورون أن صفة السوري “تهمة”، والسوريون متهمون، حتى لو كانوا عاملين ويستحقون الأجر.
ويعتقدون كما تعتقد الست هيفاء وهبي، شقيقة نانسي ب”طشت” الفن، أن الجريمة الكبرى التي حدثت في سوريا، والتي شردت السوريين، وكان هناك يد كبرى لقسم رئيسي من إقطاعيي لبنان فيها، أن هذه الجريمة الكبرى، تستطيع أن تتغاضى عن جرائم صغرى، كقتل لاجئ سوري طلب مستحقاته من زوج “طشت” الفن اللبناني.

طالب إبراهيم

إيران وأمريكا.. حرب المفاوضات!

قتل قاسم سليماني “الخفي”، قائد فيلق القدس، وثاني أقوى شخصية إيرانية، بعد المرشد الأعلى علي خامنائي. والشخصية العسكرية الأبرز في إيران كلها، لأنه منفذ استراتيجية انتشارها الاخطبوطية في المنطقة، ومهندس التغيير الديمغرافي في العراق وسوريا، والشخصية الأكثر تخفي عن الإعلام، وعن رادارات القتل الإقليمية، وأجهزة المخابرات الدولية.
قتل باستهداف موكبه “المتخفي”، من قبل طائرة درون أمريكية مكشوفة، على تخوم مطار بغداد المزدحم، بعد عودته “سرّاً” من دمشق الحليفة، على متن طائرة “أجنحة الشام” الحديثة.
في رحلة تخفيه الهائلة، من قدّم المعلومات الدقيقة لاصطياده؟ من ساهم في ملاحقة خطواته الخفيفة، من عتبة مطار دمشق، إلى جحيم مطار بغداد؟
من أوصل ملف رحلته الأخيرة على بوصلة طائرة خاصة، لخطوط شركة طيران سورية خاصة، إلى شركة الدرون الأمريكية العامة؟
من سجل خطواته، لتصل في تمام الخطوة، إلى قاتله من الدرون الأمريكية؟
تنتشر الدرون الأمريكية بهدوء في مساحات المنطقة، من أفغانستان إلى العراق وسوريا والخليج. وبين أجنحة الدرون، تتجول الأفكار والقرارات الأمريكية.
يسجّل للرئيس الأمريكي ترامب، دوره الفاعل في السوشيال ميديا، وربما ينافس عبر تقديمه المعلومات والعمليات الخطيرة، في صفحته في تويتر، كل تجارب ال CIA وال KGB.

بعد نشره صورة العلم الأمريكي في صفحته، إثر اغتيال سليماني ومن معه، نشر ترامب تغريدة قال فيها: “إيران لا تكسب الحرب، لكنها لا تخسر المفاوضات”. وهو لاقى وزير خارجيته من حيث النتيجة، حين قال بومبيو: “إن أمريكا ملتزمة بعدم التصعيد، ولا تسعى لحرب مع إيران”.
إيران لا تخسر مفاوضات إذن، لذلك يجب عليها سلوك هذا الطريق، طريق المفاوضات، الذي تستطيع امبراطورية خامنائي تحقيق النصر فيه.
وأمريكا لا تسعى إلى حرب معها، لكنها لن تسكت، إذا تعرضت سفاراتها، وأصولها العسكرية والاقتصادية والسياسية ورعاياها للتهديد. خاصة أن إيران لا تكسب في حرب، هذه حكمة قالها ترامب في تويتر، ويتمنى أن تلقى آذاناً صاغية عند المرشد.
كان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قد اقتدى إلى “ذات الحكمة”، عبر بيان نشره للتنديد باغتيال صديقه سليماني، حين طلب من الجميع “الحكمة والحنكة”. المنطقة على كف عفريت تاريخياً، وهي برميل بارود منذ آلاف السنين، لذلك يجب “الآن” التروي والحكمة وتقدير المكاييل العسكرية، وموازين الانتقام، والعمل بحنكة، لما فيه مصلحة النظام الإيراني، ومصلحة تابعيه في العراق وسوريا واليمن ولبنان.
مقتل سليماني، يوقف أي تواصل خليجي إيراني، في الفترة التي شهدت ساحات الخليج منذ فترة، تواصلاً مع إيران، تحدث عنه الإماراتيون والسعوديون والعمانيون. أما قطر فتواصلها مع إيران لم ينقطع.
مقتله يوقف التواصل، وهو مكسب أمريكي، لا جدال فيه. ويساهم في تشتيت ما حاول أن يوحّده أو يفرّقه سليماني في سوريا. وهو مكسب آخر. ويوجه رسالة واضحة لجميع أعداء أمريكا في المنطقة، وما أكثرهم. رسالة تقول صراحة، الجميع تحت عدسة الدرون، وعبر صفحة ترامب في التويتر، يتم تحديد ساعة الصفر، أو النتيجة.
وتويتر ترامب يوقد النتائج الدامية، لكنه يوقد مقدمات التفاوض أيضاً. وبين دم سليماني الذي لن يجف بهدوء، وبين ساحات الانتقام الإيرانية، يعيش بعبع المفاوضات الصغير. بعبع التفاوض بين إيران المحاصرة والمأزومة، وأمريكا التي تفوز ببقاء النظام الإيراني.

طالب إبراهيم

سيطرة التافهين!

صدر كتاب للفيلسوف الكندي (ألان دونو) بعنوان «Mediocratie»، أو نظام التفاهة. كتاب طار حول العالم محمولاً بأقلام الغرب ونقاده، بحثاً عن الأسباب التي جعلت التافهين يمسكون بمواقع القرار في العالم، سياسياً، واقتصادياً، وأكثر…

كلمات رائعة قيلت في الكتاب وعنه، تستحق أن يقال أكثر منها عن شرقنا ومحيطنا وعنا.
.
يؤكد ابن كيبيك أن التافهين قد حسموا المعركة. من دون اجتياح الباستيل (إشارة إلى الثورة الفرنسية) ولا حريق الرايخشتاغ (إشارة إلى صعود هتلر في ألمانيا) ولا رصاصة واحدة من معركة «الفجر» (إشارة إلى المعركة الأسطورية بين بونتا وبراكمار)، فقد ربح التافهون الحرب فعلا وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه.

يعطي أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية نصيحة فجّة لناس هذا العصر: «لا لزوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً. فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة. فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك. عليك أن تكون قابلاً للتعليب. لقد تغير الزمن. فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة»!

وحين يسأل عن أسباب هذا التحول، يعيد ذلك إلى عاملين اثنين، في السوسيولوجيا والاقتصاد، كما في السياسة والشأن العام الدولي.

السبب الأول: يعزوه دونو إلى تطور مفهوم العمل في المجتمعات. فيقول إن «المهنة» صارت «وظيفة». وصار شاغلها يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير. فيمكن أن تعمل عشر ساعات يومياً على وضع قطعة في سيارة، وأنت لا تجيد إصلاح عطل بسيط في سيارتك. يمكن أن تنتج غذاء لا تقدر على شرائه. أو تبيع كتباً ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطراً. انحدر مفهوم العمل إلى «المتوسط». وصار أشخاصه «متوسطين»، بالمعنى السلبي للكلمة. صار العمل مجرد أنماط. شيء ما من رؤيوية شابلن في «الأزمنة الحديثة» أو فريتز لانغ في رائعة «متروبوليس».

السبب الثاني مرتبط وفق دونو بعالم السياسة ومجال الدولة والشأن العام. هنا بدأت سيطرة التافهين فيقول، ولدت جذور حكم التفاهة مع عهد مارغريت تاتشر. ويقول انه يومها جاء التكنوقراط إلى الحكم. استبدلوا السياسة بمفهوم «الحوكمة»، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم «المقبولية المجتمعية»، والمواطن بمقولة «الشريك». في النهاية صار الشأن العام تقنية «إدارة»، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا. وصارت الدولة مجرد شركة خاصة. وصارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد. وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لمجرد الناشط اللوبي لمصلحة «زمرته».

من هذين المنطلقين، تنميط العمل وتسليعه وتشييئه، وتفريغ السياسة والشأن العام، صارت التفاهة نظاماً كاملاً على مستوى العالم. وصارت قاعدة النجاح فيها أن «تلعب اللعبة». حتى المفردة معبرة جداً وذات دلالة. لم يعد الأمر شأناً إنسانياً ولا مسألة بشرية. هي مجرد «لعبة». حتى أن العبارة نفسها راجت في كل لغات عالم التفاهة: «أن تلعب اللعبة». وهي قاعدة غير مكتوبة ولا نص لها. لكن يعرفها الجميع: انتماء أعمى إلى جسم ما، يقوم على شكليات السهرات والغداءات والانتقامات. بعدها يصير الجسم فاسداً بشكل بنيوي قاطع. حتى أنه ينسى علة وجوده ومبادئ تأسيسه ولماذا كان أصلاً ولأية أهداف… أفضل تجسيد لنظام التفاهة، يقول دونو، صورة «الخبير». هو ممثل «السلطة»، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل «المثقف»، الذي يحمل الالتزام تجاه قيم ومثل. جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين! حتى أن رئيس جامعة كبرى قال مرة ان «على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات». لا مكان للعقل النقدي ولا لحسه. أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، من أن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار لاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات «السوق».

هكذا يرى دونو أنه تم خلق نظام حكم التافهين. نظام يضع ثمانين في المئة من أنظمة الأرض البيئية عرضة لأخطار نظام استهلاكهم. ويسمح لخمسين في المئة من خيرات كوكبنا بأن تكون حكراً على واحد في المئة من أثريائه. كل ذلك وفق نهج نزع السياسة عن الشأن العام وعن التزام الإنسان.

كيف يمكن مواجهة حكم التافهين هذا؟ يجيب دونو: ما من وصفة سحرية. الحرب على الإرهاب أدت خدمة لنظام التافهين. جعلت الشعوب تستسلم لإرادات مجموعات، أو حتى لأشخاص، كأنهم يملكون عناية فوقية. بدل أن تكون تلك الحرب فرصة لتستعيد الشعوب قرارها. إنه خطر «ثورة تخديرية» جديدة، غرضها تركيز حكم التفاهة. المطلوب أن نقاوم التجربة والإغراء وكل ما لا يشدنا إلى فوق. ألا نترك لغة الإدارة الفارغة تقودنا. بل المفاهيم الكبرى. أن نعيد معاني الكلمات إلى مفاهيم مثل المواطنة، الشعب، النزاع، الجدال، الحقوق الجمعية، الخدمة العامة والقطاع العام والخير العام… وأن نعيد التلازم بين أن نفكر وأن نعمل. فلا فصل بينهما.

الأساس أن نقاوم!

جان عزيز

ايوان ليبيا