أوروبا والعالم

الكورونا “X” والكورونا الإعلامي!

وصل عدد المصابين بفايروس كورونا المستجد إلى أكثر من 2.5 مليون إصابة، وسيصل إلى الملايين، وعشرات الملايين، لأن هناك قرار “عالمي” بالوصول إلى بذلك، وتلك هي مهمة الإعلام الأولى اليوم.
سيطرت الأخبار المتعلقة بكورونا على كل نشرات الأخبار العالمية. وغدا الخبر الأول والأخير للبطل “كوفيد 19″، الذي اضطر مكرهاً إلى نقل انتصاراته من أقصى الشرق، إلى أقصى الغرب، مروراً بتفاصيل الجميع، وكاشفاً سهولة الاختراق، وسهولة الإصابة وسهولة الموت، سيما في أفواه السياسيين، الملزمين بتسيير أعمال رأس المال المأزوم.
وكوفيد البطل سيعود ثانية بعد نهايته الأولى. باحثون غربيون يؤكدون ذلك استناداً إلى أبحاثهم الخاصة، ويتوقعون أنه بعد عامين أو ثلاثة وربما أربعة على أبعد تقدير، سيعود كوفيد “X” بالظهور كاشفاً عن أنياب دموية أخرى لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل.
منذ سنوات توقع بيل غيتس امبراطور “مايكروسوفت” ظهور فايروس قاتل، ويحاول مع شركته الضخمة منذ توقعه الغريب ذاك، تحت اسم آخر ومختصين متلبسين “باللقاح” استثمار الحالة لإيجاد رعب جديد للعالم المتخمين بالخوف.
كيف توحّد هذا العالم “المنقسم بشدّة”، حول كوفيد 19؟
كيف حبس كورونا سكان العالم في بيوتها؟
كيف انصاعت الأنظمة “الشاذة” تحديداً، لقرارات تتعلق بضرورة مواجهة العدو المجهري، وتقرّ علانية بأنه عدو خطير، رغم تصنيفها هي ذاتها بالفايروس الخطير؟
كيف شاءت الصدف أن يكون هذا المجهري خطيراً، في الفترة التي شهد فيها الاقتصاد العالمي ركوداً هو الأقسى بعد أزمة 1929؟
يتنامى كوفيد “X” اليوم في أمريكا، قائدة العالم المتصدّع، والتي تتصارع قنواتها في نقل أي فكرة عن الفايروس ونقيضتها، وتنقل في ذات الوقت كل المخاوف، حتى تلك التي لم تظهر بعد.
ذكر الإعلام الغربي، أن الفايروس القاتل، يهاجم المسنيين، قبل أن يفاجئ الجميع، أن كورونا “X” يسري في كل الفئات العمرية، فقد قتل شاب في اسبانيا، وطفل رضيع في أمريكا، وترقد الحوامل في المشفيات تنازعن، ويجب ألا يعتقد أحد في هذا العالم المتهالك، أنه بمنأى عن الإصابة، وربما عن الموت.
شركات كبرى أعلنت إفلاسها، رجال أعمال أعلنوا افلاسهم، تم تسريح عشرات آلاف العمال، طرق أغلقت، وحدود علّقت، ونزل الجيش في دول كثيرة، في دول لم تشهد نزول الجيش منذ الحرب العالمية الثانية.
عاش العالم حالات من الخوف تتشابه كثيراً، مع حالة الكورونا، وتختلف بالمقاييس، عندما أظهر نقلاً عن مصادر عالية المستوى، حيازة عراق صدام حسين، على أسلحة الدمار الشامل، بعد أن نفّذ إرهابيون يعيشون في كهوف قندهار الأفغانية أحداث 11 سبتمبر.
يومها صرخت “الدول الشاذة”، فقد عرفت أنها الثور التالي بعد ثوري أفغانستان والعراق. لكنها اليوم صمتت، ولحق كوفيدها الخاص بالكوفيد الإعلامي الدولي، وإن كان بخطا أبطأ.
بعد أفغنة العالم وعرقنته، انتقلت البشرية إلى حلقة أضعف، إلى نافذة حرية أضيق، ومساحات عنف لم تهدأ. فماذا سيحدث بعد “كورنة” العالم، بعد “كوفدته” وفق تسلسل زمني رياضي، يعجز المراقبون عن توصيفه.
كورونا “X” الناعم، أمام مهمة عالمية ضخمة، فقد حبس العالم بصخب كبير، ورعب شديد، حبس العالم الذي تحوّل إلى قرية مراقَبة، لن ينجو واحد فيها من المعاقبة.

طالب إبراهيم

ترامب عطس.. والله عطس!

فاجأ الرئيس الأمريكي ترامب الخائفين، بتصريح مرعب “إن أمريكا تنتظر أسبوعين مرعبين”، وتحدث عن أرقام فظيعة سيسببها الفايروس “القائد” كوفيد 19.
ربما تفقد أمريكا 2 مليون إنسان، ولكن الرئيس الأشقر أكد “نستطيع تقليل العدد إلى النصف، إذا اعتمدنا إجراءات قاسية”.
الإجراءات القاسية، هي حبس الأمريكيين في بيوتهم، ومعاقبة المخالفين. ونجح الإجراء على مسارين، حبس الأمريكيين، وحصاد أرواح المسنين.
وقبل دخوله المشفى، لأن حرارته لم تستقر، قال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون “المكورن”، “أيام صعبة تنتظر بريطانيا، وقد نفقد نصف مليون بريطاني بسبب الفايروس، إلا أذا طبقنا إجراءات قاسية، نختصر العدد إلى النصف”. فحبس البريطانيين في بيوتهم، وحتى يصدق مستمعوه ما يقوله لهم، وأن لا أحد خارج الإصابة والمرض والحبس، مرض هو وحبس نفسه.
وبعد أن قارب عمره القرن، توقع هنري كيسينجر ثعلب الخارجية الأمريكية، أن العالم سيتغير، وجائحة فايروس كورونا ستغير النظام العالمي إلى الأبد. وأن الأضرار الصحية للفايروس قد تكون مؤقتة، لكن الأضرار الاقتصادية والسياسية قد تستمر لأجيال.
وطلال أبو غزالة، رجل الإعلام الأردني، والذي توقع حدوث أزمة اقتصادية عالمية وكساد اقتصادي، منذ عامين، يتوقع أن يكون بعد كورونا أصعب من الآن، وفي مساحة خيال غير اقتصادية لديه، توقع حرباً بين أمريكا والصين قبل نهاية هذا العالم.
خيال أبو غزالة، أصاب المنجمين العرب بالعدوى، فتسابقو على البكاء في الشاشات، والحديث عن أزمة كبيرة، تتشابه مع خيال غزالة الأسطوري، وتختلف بالمفردات.
تتناقص أعداد الوفيات بسبب كوفيد 19 في اسبانيا وإيطاليا وفرنسا، في البلدان التي تحدثت الميديا العالمية عن مآسي ونكسات وانهيارات فيها، لكنها نفّذت إجراءات قاسية، وتخطت إلى حد ما أزمة كورونا المستجد.
وعادت الصين إلى صناعتها، وعاد عمالها إلى إنتاجهم، وزادت نسبة النمو الإقتصادي عما كانت عليه قبل كورونا.
وتستمر إسرائيل بتشكيل حكومتها، بعد ثلاثة انتخابات صاروخية أفرزت ذات الكتل النيابية، رغم خطر الفايروس الانتخابي.
وتستمر أندية كرة القدم الأوروبية بعقد الصفقات، وتبادل اللاعبين والمدربين، وتجهيز خارطة التدجين الرياضية القادمة، رغم خطر الفايروس الرياضي.
ولم ينقطع عمال الشركات الخاصة في هولندا عن أعمالهم، رغم إغلاق هولندا مطاراتها، وبلدياتها، ورغم مناشدة الحكومة الهولندية كل الهولنديين التزام المنازل، والتباعد الاجتماعي، وانتظار الأسوء.
أكثر من تفاجأ بالحملة العالمية ضد كورونا، هو الفايروس كورونا ذاته. لم يعتقد في لحظة، انه سيكون جهاز كشف الحالة النفسية والأخلاقية للبشر، ومدى تأثير عمليات التدجين التي مارستها السلطات عليهم، وهل وصلت السلطات إلى صناعة الكائن البشري الذي تريده، مثلما وصل علماؤها لصناعة الفايروس الذي تستعمله.
في زمن مضى، زمن السوفييت والمنظومة الشرقية، كان إذا سقط الثلج في موسكو، ارتدى شيوعيو العالم المعطف. اليوم في زمن منظومة كورونا، إذا عطس ترامب، انحبس العالم في المنازل، وأغلقوا الأبواب بالمفاتيح.

طالب إبراهيم

باباجان اوغلو.. خليفة يتحضّر!

أعلن علي باباجان عن تأسيس حزبه “الديمقراطية والتقدم” في تركيا متأخراً شهرين عن موعد إعلانه.
استلم باباجان وزارة الخارجية التركية، ووزارة الاقتصاد، وكان المفاوض التركي الرئيسي لانضمام تركيا للاتحاد الاوروبي. قبل أن يعلن انسحابه من حزب العدالة والتنمية.
سبقه أحمد داوود اوغلو رئيس الوزراء التركي السابق، إلى تأسيس حزبه “المستقبل”، بعد انسحابه من حزب اردوغان، رفيق دربه في السياسة والمؤامرات.
وحظي حزب المستقبل التركي بحفلة كبيرة عند إعلان التأسيس، على عكس حفلة “الديمقراطية والتقدم” البسيطة، لكن مجلس إدارة حزب بابا جان، أغنى وأوسع.
يضم مجلس إدارة حزب الديمقراطية والتقدم، أربعة وزراء سابقين، و13 عضو سابق في حزب العدالة والتنمية، وخمسة بيروقراطيين عملوا في فريق عمل اردوغان فترة طويلة، وعمدة محافظة بالكسير أحمد أديب اوغور المعروف بأمين خزانة اردوغان الخاصة.
وضمت اللجنة التأسيسية للحزب أيضاً ضابطين متقاعدين أحدهما برتبة جنرال، لهما باع طويل بالساحة السورية.
وأعلن باباجان ميثاق الحزب، والذي يتضمن العودة إلى النظام البرلماني، ومنح المواطنين الأكراد حقوقهم الديمقراطية.
أتت الانشقاقات في حزب اردوغان من أعلى المناصب، ومن كبار مساعديه ورفاق طريقه، في الفترة التي أظهر فيها انقلابه عليهم، وعلى ميثاق حزبه، وطريقه. وفي الفترة التي شهدت فيها تركيا بروز قمعه، ونزوعه الشخصي للسلطة، وتفضيله عائلته وفسادهم على تركيا ومستقبلها.
يعاني اردوغان اليوم من أزمة داخلية، يختصرها انهيار سعر الليرة، ويعاني من أزمة خارجية، يختصرها انهيار سياسته في سوريا، كما في الإقليم.
لم ينجح في ابتزاز روسيا كما اعتقد في الماضي، حين غيّر اتجاه تحالفاته الأطلسية، واختار المعسكر الروسي. كما لم ينجح في ابتزاز اوروبا، على الرغم من تحقيقه حفنة من الدولارات، لكنها أقل بكثير مما يسمح له بوقف نزيف اقتصاده. ولم تثمر علاقاته العائلية والشخصية والمالية، مع الرئيس الأمريكي ترامب، في ليّ يد الأمريكان، على الرغم من حماس جيمس جيفري المنسق الأمريكي في الملف السوري، لشق طريق اردوغان في الإقليم.
انهيار اردوغان الثلاثي، في الداخل وفي تحالفه القديم مع الأطلسي، وتحالفه الجديد مع الروس، يسمح لغيره من زعامات الواجهة في تركيا، من أدوات الدولة العميقة التركية بالظهور.
حزب اوغلو المستقبل، وحزب باباجان الديمقراطية، أدوات جديدة، واوغلو ووزائه المنشقين معه، وباباجان وحاشية اردوغان، وخزينة أسراره، هم الاستثمار الجديد لبعض أدوات الدولة العميقة في المرحلة القادمة.
لا يعني ذلك أن الأدوات الأخرى خارج ساحة التنافس. لكن يعني أن درجة التنافس ستكون كبيرة، ويجب أن يخرج كل طرف فيهم أدواته.
استثمر اردوغان في الاخوان المسلمين وجهادييهم، واستثمر في الإسلام، وفي مشاعر المسلمين، واستثمر في التناقض الدولي في الإقليم، وتناقض المصالح، ولعب في تركيا وعليها، كما لعب في سوريا وعليها. والآن يقف متهالكاً.
شرحت وقفته على باب الكريملين منتظراً أن يفتح بوتين له الباب، شرحت أزمته مع الروس. وشرحت عودته من مؤتمر بروكسيل الأخير خائباً، جراء إعادة تفعيل اتفاقية اللاجئين التي حاول تفجيرها عبر إطلاقه اللاجئين إلى الحدود الاوروبية، وتلقى طعنة اوروبية دافئة بوقف التفجير، مقابل حفنة من الدولارات لا أكثر. وشرح رفض أمريكا تزويده بالباتريوت قبل أن يحل´أزمة اتفاقياته مع ال S400 الروسية، شرح عمق أزمته معها.
اردوغان اليوم على مفترق طرق، لعل أوسعها هو خروجه من اللوحة السياسية، محملاً بملف فساد كبير، أو بملف صحي كبير، عبّرت عنه قواه التي انهارت بعد دقيقتين من الانتظار في موسكو، وحاجته للجلوس.

طالب إبراهيم

النفط و الكورونا وحروب في الأفق!

ثلاثون دقيقة في فندق حياة بارك في فيينا، الجمعة 6 آذار، ولقاء عاصف بين ألكسندر نوفاك وزير الطاقة الروسي، ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، كانت كافية لإشعال حرب اشبه بالنووية كما وصفتها صحيفة الفايننشال تايمز يوم الجمعة 13 آذار.
قبل ذلك بيوم كانت النقاشات في فيينا تدور حول ضرورة خفض الإنتاج بمقدار 1.5 مليون برميل يوميًا للأشهر الثلاثة المقبلة، استجابة لانهيار الطلب العالمي بسبب تفشي فيروس كورونا.
وحصل تلاسن قاس بين الأمير السعودي والمندوب الروسي بحسب الصحافة الغربية.
خلال ساعات وبعد مشاورات بين الوزير والأمير محمد بن سلمان، انقلب الامر تماما بقرار مزلزل. أطلقت المملكة أول قنبلة، وخفضت شركة أرامكو، سعر نفطها الخام. ثم كشفت رويترز ان الرياض عرضت على بعض الشركات اسعارا تقل عشرة دولارات عن السعر المعلن، وكان واضحا ان هذا العرض قدم لشركات في شمال شرق أوروبا، السوق التقليدي للنفط الروسي.
هكذا انخفض سعر البرميل من 55 دولارا الى 35 دولارا، بين ليلة وضحاها. يوم الثلاثاء استفاقت موسكو على قنبلة أخرى اذ رفعت السعودية انتاجها من النفط إلى 12.3 مليون برميل في اليوم، وهو ما يزيد 2.6 مليون برميل في اليوم عن إنتاجها الأخير. بعد ذلك بيوم واحد، أصدرت أرامكو بيانا، انها سترفع الطاقة الإنتاجية إلى مستوى قياسي يبلغ 13 مليون برميل في اليوم.
مذبحة الأسعار التي بدأتها السعودية الحقت اضرارا هائلة وفورية في الأسواق.
اول المتضررين بالطبع كانت روسيا، فسعر انتاج البرميل من النفط يصل الى 25-30دولارا، ولا يمكنها احتمال نزول السعر اقل من ذلك، وقد حاول الوزير الروسي نوفاك التوصل الى سعر لا يهبط عن ال 40 دولارا للبرميل، لكن جهوده فشلت.
ثاني المتضررين هو إيران حيث اضطرت لبيع نفطها في السوق الموازي بسبب العقوبات الى ما يقل عن عشرين دولارا للبرميل.
المتضرر الثالث هو كارتيلات صناعة الزيت الصخري في الولايات المتحدة، فكلفة انتاج البرميل بسبب الدعم الهائل من الحكومة وصل الى 47 دولارا للبرميل، وهو الذي مكن الولايات المتحدة من ان تصبح مصدرا رئيسيا للنفط، واحتلت العديد من الأسواق الروسية التقليدية، وإذا ما استمرت حرب الأسعار حتى نهاية العام فان كل الصناعة معرضة للتوقف وخسائر بترليونات الدولارات.
في الحديث مع خبراء حول قدرة السعودية على احتمال هذه الكارثة الاقتصادية التي فجروها، تبين ان السعودية ماضية في حرب الأسعار الى النهاية، حتى لو هبط سعر البرميل الى عشرة دولارات، لان كلفة استخراج البرميل هو الأقل في العالم، إذ يتراوح 7-9 دولارات فقط. ولهذا تبيع الرياض في السوق الموازي بنحو 20 دولارا للبرميل وتستطيع النزول بالأسعار أكثر من ذلك. كما ان تعليمات صدرت لكافات القطاعات والمؤسسات الحكومية السعودية بتخفيض موازناتها للمشاريع بنسبة ثلاثين بالمئة، استعدادا للازمة القادمة.
التأثيرات على شركات النفط كان كارثيا، يوم الثلاثاء أعلنت شركة أوكسيدنتال بتروليوم، تخفيض الأرباح بحوالي 90%.
وبحلول يوم الخميس، انخفضت أسهم شركة BP إلى أدنى مستوى لها في 24 عامًا. وتقلصت القيمة السوقية لشركة إكسون إلى 178 مليار دولار فقط، وتعالت صيحات المسؤولين التنفيذيين عن الطاقة في الولايات المتحدة، للضغط على البيت الأبيض للحصول على المساعدة وتعويض الخسائر.
بصرف النظر عن صحة او خطأ القرار السعودي، فتقييمه سيأتي من الخبراء والاقتصاديين المحترفين. لكن الذي يحتاج الى فحص وتدقيق، هو الاثار السياسية لهذه الحرب الكونية التي أعلنتها الرياض، لتضاعف الاضطراب العالمي مع فيروس الكورونا.
يقيناً أنها حرب أسعار، تختلف عن كل سابقاتها. فكل الاستراتيجيات التي وضعتها روسيا سياسيا وعسكريا، تقوم على وفرة انتاجها النفطي، والفائض المالي الهائل الذي توفره أسعار النفط عند 50 دولارا للبرميل بالحد الأدنى.
وفي تقديري، الذي يحتاج الى فحص، هو ان روسيا وإيران لن تقفا مكتوفتي الايدي، ومعهما دول مثل إيطاليا وفرنسا اللتان تدعمان ميليشيات ليبيا مقابل نفط يصل 18 دولارا للبرميل، وليس في تصوري غير الحرب بأشكالها ومناطقها المختلفة.

محمد مشارقة

كاتب فلسطيني

اردوغان في حرب اللاجئين!

فتح الرئيس التركي اردوغان حدود تركيا البرية والبحرية أمام اللاجئين للهجوم على اليونان. نقلت باصاته “البيضاء” الآلاف منهم مجاناً، وعبر الآخرون، حتى وصل العدد قرابة 130 ألفاً، ساروا في خطوط متوازية، وأمام البوليس وحرس الحدود والمخبرين الأتراك، معلنين الانتصار على حالات القرف والضغط والاستعمال التركي.

فروا من سياط الجحيم التركي، متوجهين إلى الفردوس اليوناني. في حادثة تكشف زيف الحنان التركي، وزيف خطابات اردوغان وحاشيته وحزبه عن قلب تركيا الكبير، وضيق صدر اوروبا والعالم.

هناك تسعيرة واضحة لكل لاجئ سوري أو غير سوري في تركيا، تسعيرة يعلنها اردوغان في كل بازار سياسي أو مالي، تحت عنوان إنساني عريض : “لدي لاجئون”. وفي مساومة وضيعة “خذوهم أو ادفعوا ثمن حبسهم”.

تدفع اوروبا المليارات، لقاء قفل الحدود التركية في وجههم. وتقدم ما طاب لاردوغان في البازار السياسي.

في بازار إدلب تعود من جديد، مسألة بناء منطقة أمنية في الشمال السوري، برعاية وتوجيه وتحديد تركي، بحجة تركية ممجوجة، هي غرس اللاجئين السوريين الفارين من جحيم المعارك.

المعارك هي ذاتها التي يصنعها اردوغان ومرتزقته، تكراراً لنتيجة واحدة، هي “لاجئون ومنطقة آمنة”.

معارك قاسية وصعبة، تترنح سوريا تحت جبروتها، وربما تشهد ترنح الساحة التركية العسكرية والسياسية أيضاً في القريب العاجل، على الأقل هذا ما تحدثت عنه المعارضة التركية والبرلمان التركي والشارع.

يريد اردوغان قبل ترنح تركيا، إنشاء مناطقه الآمنة، بموافقة روسية تارة، أو أمريكية تارة أخرى، ولكن حتماً بأموال أوروبية.

سترضح اوروبا الضعيفة والمنقسمة والانتهازية، أمام ضغط اردوغان، وستقدم المال والمواقف السياسية. وكان ترنح ميركل رئيسة وزراء ألمانيا قبل الجميع، تحدثت قبل وصول آلاف اللاجئين إلى عتبات ألمانيا، عن ضرورة بناء منطقة آمنة في الشمال السوري، في سياق الكم الهائل من كلمات التزلف والحنان والشعور بالمسؤولية في خطابها ذاته، تجاه ما يعانيه سوريو الحرب في إدلب وفي سوريا عموماً.

وسارعت أمريكا على لسان منسق الملف السوري جيمس جيفري، بالحديث عن دعم تركيا بالذخيرة والسلاح في حربها ضد النظام في إدلب، ولسان حاله يقول دعم تركيا في مواجهة روسيا في الإقليم، والضغط على أوروبا في استجرار تنازلات سياسية ومالية، أو في تصريح السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام: “نقدر بشدة ما تفعله تركيا للوقوف بجانب المواطنين السوريين في إدلب”.

أما روسيا المستهدفة، فقال أحد مسؤوليها إن الأرقام التي يقدمها اردوغان بالعام غير صحيحة، فعدد سكان إدلب أقل من 2 مليون، ومن نزح أقل من مئة ألف، ولم يصل أحداً من هؤلاء إلى الحدود التركية اليونانية لأنهم محبوسين في الحدود السورية التركية. وأرقام اللاجئين التي يقدمها للإعلام غير صحيحة، وهو يريد إرسال 130 ألفاً من اللاجئين إلى اوروبا.

لم ينس المسؤول الروسي التذكير بالمعلومات الموثقة والمعروفة، عن عمليات التطهير العرقي والتهجير القسري التي قام بها اردوغان في حروبه الثلاثة في سوريا، والتي أدت إلى تهجير مئات ألاف الأكراد من ديارهم وزرع التركمان بديلاً عنهم.

حديث المسؤول الروسي يأتي قبل لقاء اردوغان ببوتين، في تذكير واضح منه، أن لدى الروس الكثير من أوراق القوة التي يستطيعون استعمالها في مواجهة اردوغان إذا اختل ميزانه.

كان ذلك بعد أن صرخ أحد أعضاء حزب العدالة والتنمية، حين قال إن الحرب التركية الروسية ال 16 قادمة لا محالة.

اردوغان يفتح ملف اللاجئين القديم الحديث، للضغط في اتجاه بناء منطقة آمنة، ويرسل عينة منهم عبر الحدود، ليعرف الأوروبيون ماذا يعني تحديداً.

اوروبا تغلي، لكنها تبحث عن ثمن جديد، لصفقة ناجحة مع اردوغان، قد يكون الثمن على حساب الجغرافية والسوريين.

أمريكا تنتعش وتراقب، لأن الضغط على اوروبا مكسب لها، رغم ما تخطه الأدبيات القديمة عن عمق التحالف الغربي.

روسيا تملك الساحة السورية، على الأقل في اتفاقيات سوتشي والأستانة، وتملك قوة المناورة في تذليل المطالب التركية، ومطامع اردوغان، لكنها في حدود الوطن السوري، وبازار العلاقات الجيوسياسية، وضرورة الحفاظ على تركيا في مربع توازناتها الإقليمية، قد تقدم جزرة المنطقة الآمنة، في حدود ما، حدود قد تفتحها اتفاقيات روسية امريكية تركية قادمة.

طالب إبراهيم

سيطرة التافهين!

صدر كتاب للفيلسوف الكندي (ألان دونو) بعنوان «Mediocratie»، أو نظام التفاهة. كتاب طار حول العالم محمولاً بأقلام الغرب ونقاده، بحثاً عن الأسباب التي جعلت التافهين يمسكون بمواقع القرار في العالم، سياسياً، واقتصادياً، وأكثر…

كلمات رائعة قيلت في الكتاب وعنه، تستحق أن يقال أكثر منها عن شرقنا ومحيطنا وعنا.
.
يؤكد ابن كيبيك أن التافهين قد حسموا المعركة. من دون اجتياح الباستيل (إشارة إلى الثورة الفرنسية) ولا حريق الرايخشتاغ (إشارة إلى صعود هتلر في ألمانيا) ولا رصاصة واحدة من معركة «الفجر» (إشارة إلى المعركة الأسطورية بين بونتا وبراكمار)، فقد ربح التافهون الحرب فعلا وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه.

يعطي أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية نصيحة فجّة لناس هذا العصر: «لا لزوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً. فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة. فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك. عليك أن تكون قابلاً للتعليب. لقد تغير الزمن. فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة»!

وحين يسأل عن أسباب هذا التحول، يعيد ذلك إلى عاملين اثنين، في السوسيولوجيا والاقتصاد، كما في السياسة والشأن العام الدولي.

السبب الأول: يعزوه دونو إلى تطور مفهوم العمل في المجتمعات. فيقول إن «المهنة» صارت «وظيفة». وصار شاغلها يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير. فيمكن أن تعمل عشر ساعات يومياً على وضع قطعة في سيارة، وأنت لا تجيد إصلاح عطل بسيط في سيارتك. يمكن أن تنتج غذاء لا تقدر على شرائه. أو تبيع كتباً ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطراً. انحدر مفهوم العمل إلى «المتوسط». وصار أشخاصه «متوسطين»، بالمعنى السلبي للكلمة. صار العمل مجرد أنماط. شيء ما من رؤيوية شابلن في «الأزمنة الحديثة» أو فريتز لانغ في رائعة «متروبوليس».

السبب الثاني مرتبط وفق دونو بعالم السياسة ومجال الدولة والشأن العام. هنا بدأت سيطرة التافهين فيقول، ولدت جذور حكم التفاهة مع عهد مارغريت تاتشر. ويقول انه يومها جاء التكنوقراط إلى الحكم. استبدلوا السياسة بمفهوم «الحوكمة»، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم «المقبولية المجتمعية»، والمواطن بمقولة «الشريك». في النهاية صار الشأن العام تقنية «إدارة»، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا. وصارت الدولة مجرد شركة خاصة. وصارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد. وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لمجرد الناشط اللوبي لمصلحة «زمرته».

من هذين المنطلقين، تنميط العمل وتسليعه وتشييئه، وتفريغ السياسة والشأن العام، صارت التفاهة نظاماً كاملاً على مستوى العالم. وصارت قاعدة النجاح فيها أن «تلعب اللعبة». حتى المفردة معبرة جداً وذات دلالة. لم يعد الأمر شأناً إنسانياً ولا مسألة بشرية. هي مجرد «لعبة». حتى أن العبارة نفسها راجت في كل لغات عالم التفاهة: «أن تلعب اللعبة». وهي قاعدة غير مكتوبة ولا نص لها. لكن يعرفها الجميع: انتماء أعمى إلى جسم ما، يقوم على شكليات السهرات والغداءات والانتقامات. بعدها يصير الجسم فاسداً بشكل بنيوي قاطع. حتى أنه ينسى علة وجوده ومبادئ تأسيسه ولماذا كان أصلاً ولأية أهداف… أفضل تجسيد لنظام التفاهة، يقول دونو، صورة «الخبير». هو ممثل «السلطة»، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل «المثقف»، الذي يحمل الالتزام تجاه قيم ومثل. جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين! حتى أن رئيس جامعة كبرى قال مرة ان «على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات». لا مكان للعقل النقدي ولا لحسه. أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، من أن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار لاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات «السوق».

هكذا يرى دونو أنه تم خلق نظام حكم التافهين. نظام يضع ثمانين في المئة من أنظمة الأرض البيئية عرضة لأخطار نظام استهلاكهم. ويسمح لخمسين في المئة من خيرات كوكبنا بأن تكون حكراً على واحد في المئة من أثريائه. كل ذلك وفق نهج نزع السياسة عن الشأن العام وعن التزام الإنسان.

كيف يمكن مواجهة حكم التافهين هذا؟ يجيب دونو: ما من وصفة سحرية. الحرب على الإرهاب أدت خدمة لنظام التافهين. جعلت الشعوب تستسلم لإرادات مجموعات، أو حتى لأشخاص، كأنهم يملكون عناية فوقية. بدل أن تكون تلك الحرب فرصة لتستعيد الشعوب قرارها. إنه خطر «ثورة تخديرية» جديدة، غرضها تركيز حكم التفاهة. المطلوب أن نقاوم التجربة والإغراء وكل ما لا يشدنا إلى فوق. ألا نترك لغة الإدارة الفارغة تقودنا. بل المفاهيم الكبرى. أن نعيد معاني الكلمات إلى مفاهيم مثل المواطنة، الشعب، النزاع، الجدال، الحقوق الجمعية، الخدمة العامة والقطاع العام والخير العام… وأن نعيد التلازم بين أن نفكر وأن نعمل. فلا فصل بينهما.

الأساس أن نقاوم!

جان عزيز

ايوان ليبيا

لندن تعتقل ما شُبّه لها!

قبض البوليس البريطاني على “بول نيوي” مواطن بريطاني، بتهمة تمويل الإرهاب، وفق صحيفة الاندبندنت.
أرسل بول 150 جنيهاً استرلينياً إلى ولده “دانييل”، الذي يقاتل في صفوف “الأكراد” وفق توصيف الصحيفة البريطانية. وفي المقابل أكدت صحيفة الجارديان أن السلطات البريطانية أطلقت سراح بول بكفالة، وبدون توجيه أي تهمة له، وبعد استجواب دام أكثر من 36 ساعة.
لم يعلم بول أن ولده في سوريا، وهو يرسل له المال كلما دعت الضرورة، وإذا قاتل ولده في سوريا في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، أو في صفوف “الوحدات الكردية” كما قالت الصحيفة، فهو قاتل بجوار القوات الأمريكية التي تحارب تنظيم داعش الإرهابي، وبجوار قوات التحالف الدولي والتي بريطانيا “العظمى تقريباً” إحدى مكوناتها، قوات هذا التحالف الذي يحارب الإرهاب في سوريا على الأقل وفق ما يقول التحالف ذاته.
أما أن يتم وصف من يحارب الإرهاب بالإرهابي، وفي بريطانيا الديمقراطية، والتي تراعي حقوق الإنسان، وتهتم لما يجري لمسلمي الإيغور في الصين، وتطالب الدول الديكتاتورية، بإطلاق سراح الليبراليين الشباب المعتقلين، وتحض على احترام الآراء والأديان بالتوازي مع حقوق النساء، فهذا خارج عن المألوف، ومن الصعب فهمه.
إرسال 150 جنيه إلى “دانييل”، البريطاني الذي يقاتل مع قوات سوريا الديمقراطية، تستدعي التحقيق مع “بول”، ولكن توزيع الملايين على جماعات الأخوان المسلمين في بريطانيا، من جهات وحكومات دولية وعبر وساطات، وتخصيص أموال “سوداء” لإدارة ثقافة الموت والإرهاب في بريطانيا، وأوروبا والعالم، تحت مسميات مراكز أبحاث إسلامية، لا تستدعي التحقيق.
لا نحتاج إلى أدلة وتفكير عميق، لنستنتج أن حركة الأخوان المسلمين لا تلتزم بقيم الديمقراطية، ولا تمثل الاعتدال السياسي الإسلامي. فهي استخدمت العنف بشكل انتقائي بما يخدم مصالحها السياسية، منذ نشأتها وحتى الآن.
وهي تمارس سياسة الاغتيالات وتستمد ايديولوجيتها من أفكار مؤسسها حسن البنا، ومنظرها سيد قطب صاحب “العقيدة التكفيرية”، التي توزع تهمة الكفر على “كل” الآخرين، وتؤسس لاستخدام العنف للوصول إلى المجتمع الإسلامي الكامل.وقد أيد بعض كبار أعضاء الجماعة، الهجمات على القوات الغربية، بما فيها طبعاً البريطانية.
هناك اختلافات كبيرة بين خطاب الإخوان المسلمين الموجه باللغة الانكليزية، الذي يعتمد اللين والسهولة، وخطابهم باللغة العربية، الذي يعبر حقيقة عن ميولهم التكفيرية، وتؤكد المنصات الإعلامية التي ترتبط بالإخوان، ما نرمي إليه، عبر التحريض وتوجيهها التهم لمن تسميهم أعداءها الكفرة، من شخصيات وحكومات ودول وتجمعات، والتي يفهم عناصرها من خلال هذا الخطاب، أنها فتاوى للقتل.
صحيح أن نشاط جماعة الأخوان المسلمين في بريطانيا لا يحفل بالشرعية البوليسية، من حيث العضوية وجمع الأموال والبرامج التعليمية، لكنها تنشط، وتحت مرأى البوليس الذي اعتقل بول، لأنه أرسل 150 جنيه لولده، الذي يحارب الإرهاب الداعشي في سوريا، أمثال إرهاب جماعة الأخوان.

طالب إبراهيم

طعم القومية بالتوابل الشرقية في أمستردام

في وسط أمستردام، العاصمة الهولندية، عاصمة الحب والجنس والمارجوانا. تتوزع مجموعة كبيرة من المطاعم العالمية. وقد يبدو مصطلح العالمية ترف، في صلب الحديث عن تداخل طعام ووجبات وصحون ليست طائرة.

في أمستردام العالمية، تحصل على أفخم قطع البيتزا الإيطالية من بين أصابع الطهاة المصريين. وعلى شريحة اللحم “أسادو” والسلطة الأرجنتينية الخاصة كما توصف في الدعاية المعروضة لها، بيدي الشيف عبد الهادي “أبدل”. وهو مغربي و”الحمد لله” كما قال بالضبط وهو يوزع صحونه بوقار.

وتحصل في رحلة بحث عائلية، عن أحد المطاعم الصينية بجوار شارع “دامارك”، على أرز لبناني، في أوان صينية.

لم يكن طعم البيتزا الإيطالية هناك، مختلف عن طعمها المجلّد في زاوية أخرى من الشارع. وقد كانت شريحة اللحم الأرجنتينية، جافة تماماً كما هي في مطاعم دمشق. والأرز كان حاراً أكثر من أن يكون صينياً.

أبحث منذ مدة عن طعم البلدان الأخرى في اطباق أمستردام الملونة. قد يكون طعم البلدان موجود في أطباقها. قد تكون ثقافة “تشو” الصينية القديمة موزعة في صحن أرز بالبيض، أو في خيار مقلي، أو في جبنة التوفو. وأدب خوان غيلمان الأرجنتيني مجبولة في سلطة أفوكادو. وروايات إيميليو غادا في قطعة بيتزا “مارغريتا”. ربما لا تتواجد الثقافة في الصحون، ولا علاقة لها بالتوابل. لكن هناك خيط بين الثقافة والطعم، يحدده الطهاة.

قد تكون أمستردام أضيق عاصمة لأوسع لغات العالم. مساحة صغيرة لكل الجنسيات. وقد تسمع كل اللغات في شوارعها الطويلة. الشوارع الضيقة والوسيعة والملبدة بالحركة. في أمستردام هناك معنى آخر للقومية. وطعم آخر للعالمية تختصره الاستراحات الكبيرة والصغيرة، ومطاعم لا تعرف جنسيتها. العالمية في أمستردام ليست شركة فيليبس ولا شركة شل.

في مطعم واحد من أمستردام تجد العالم كله. مطعم صيني وصحون صينية، والطاهي لبناني، والزائر هولندي. مطعم إيطالي وبيتزا إيطالية والطاهي مصري، والزائر أفغاني.

بلد واحد هو العالم في أمستردام. هذا العالم المثقل بالتنوع والمآسي والأفراح هو عبارة عن كتلة واحدة في العاصمة الهولندية الصغيرة.

طالب إبراهيم

شارع الجنس بجوار الكنيسة!

في السوق الكبير في مدينة هارلم “Haarlem” وسط المملكة الهولندية، توجد كنيسة كبيرة، بنيت في أواسط القرن التاسع عشر. تحول قسم منها إلى متحف، وأقسام أخرى إلى متاجر متنوعة. يحيط بالكنيسة مجموعة من المطاعم المتنوعة. وفي الجانب الآخر منها سلسلة من المقاهي والديسكوات.

يفصل بين الكنيسة ومحطة القطار، طريق مرصوف بحجارة القرميد. في وسطه شارع خاص باستثمارات الجنس. يتوسط الشارع محل لبيع كل مستلزمات الجنس، المثالي منه والشاذ والقاسي. كتب على “الآرمة” التي تنتصب في بداية المحل “Sex”.

على الجانب الآخر من الشارع تتوزع الغرف الحمراء الصغيرة، ذات النوافذ الزجاجية. تقف خلف كل نافذة منها، فتاة بلباس داخلي خفيف. تنشر بضاعتها الجنسية للزبائن هناك. بضاعة هي كل ما تملكه في هذا العالم الذي يعج بالبضائع.

في الغرفة الأولى تقف فتاة تبدو أنها قدمت من بلدان المشرق العربي. وقد خطت على زندها الأيسر كلمة أميرة باللغة العربية. صدرها جميل، يقف بكامل أبهته خلف سوتيان أسود. بشرتها السمراء تذوب تحت الضوء الخفيف الأحمر. وبجوارها فتاة إفريقية تدعو من يمر أمام نافذتها للدخول. على المقلب الآخر من نفس الشارع تجلس امرأة مسنة، تقرأ الجريدة بلباسها الداخلي أيضاً، يبدو أنها تنتظر زبائنها وسط جو ثقافي مميز.

تنتشر محلات أخرى لبيع مستلزمات الحياة الغير جنسية. يمر الناس من أمام كل المحلات. شاب مراهق أرسل قبلة إلى الإفريقية التي دعته مباشرة، وبحركات إباحية للدخول. لكنه ابتسم ومضى. ربما لا يملك 50 يورو ثمن نصف ساعة برفقتها.

قد يبدو الشارع نقطة مميزة. الجنس دائما مميز. والدين أيضاً مميز. والشارع يحوي مدخلي الحياة. الدين والجنس. شارع الجنس “الهارلمي” لا يخضع إلى رقابة دينية. لا تتدخل العصا الدينية في مدارات حياته، رغم أن الكنيسة لا تبعد إلا بضع خطوات. الرقابة الكنسيّة تاهت في معاجم الجنس واللذة والمقاهي. لقد فقدت أنيابها الصلبة.

كيف استطاع هذا المجتمع أن يروّض الكنيسة بهذا الشكل؟

كيف دخل الجنس من أوسع أبوابها؟ كيف رافقها في الطريق من الساحة الكبيرة إلى محطة القطار؟

هل يستطيع الجامع الإسلامي فعل ذلك؟ هل يتخلص من أنيابه الصلبة؟ هل يستطيع المجتمع الإسلامي الصلب، ترويض الجامع ، أم يكتفي بترويض البشر؟

طالب إبراهيم يكتب: الموت الهولندي والجنازات الكوميدية

في حي هولندي قديم في أمستردام، اجتمع المشيعون ممن تلقى دعوة المشاركة لوداع السيد “.. فان در لوب”. لا يمكن لك أن تكون موجوداً، مهما بلغت صداقتك مع السيد “فان”، إذا لم تحصل على دعوة. هذا ما نقله لي صديقي المدعو.

كان التابوت في وسط الغرفة، ممدوداً، ومفتوحاً، ويظهر فيه السيد “فان” في أجمل بدلة رسمية له، يمسك باقة ورد، فيما تناثر بعض الورد أيضاً هنا وهناك.

تحدثت أولاً زوجة الفقيد. قالت: “نحن هنا للوداع الأخير لفان، لكن يجب ألا نحزن كثيراً، لقد تحدث معي أكثر من مرة حول ذلك”. ثم طلبت من المدعوين الحديث عن ذكرياتهم مع “فان”.

كان يقترب كل واحد من المدعوين، ويتحدث عن أكثر المواقف كوميدية حدثت بينه وبين الفقيد، وكان يضحك باقي المدعوين. وتوالت الأحاديث، وتوالى الضحك. وشرب المدعوون كؤوس النبيذ بنوعيها الأبيض والأحمر. ثم انتهى موسم الضحك ذاك حين تحدثت الزوجة من جديد، وقالت أن شركة “حرق” الموتى ستبدأ عملها بعد قليل.

أغلق موظفون في الشركة التابوت، وحملوه بكامل الاحترام، وخرجوا به إلى سيارة سوداء، كانت تنتظر في الخارج. لم يرافق السيارة أحد على الإطلاق. وكان يجب على من تبقى من الأسرة أن ينتظروا عودة أحد موظفي الشركة بعبوة زجاجية، تختصر بقايا حرق الجثة، ليتصرفوا بها.

قال صديقي أن الأسرة تلك كانت “هيبية”. والأسر الهولندية المسيحية تختلف كثيراً بطريقة وداعها للموتى، عن طريقة الهيبيين، لكن ما يميز تلك الأسر أيضاً هي مقاومتهم للبكاء، ومحاولاتهم الجادة في كتم مشاعرهم.

في عالمنا العربي، قد تتشابه الإجراءات العامة في التحضير للجنازة، وقد تختلف تفاصيل أخرى، حسب الدين، وحسب الطائفة، وحسب الشارع وحسب الأسرة. وحسب الميت أيضاً. لكل ميت خصوصيته. وتختلف درجات الخشوع بين ميت وآخر. قد يحضر خشوع عالي الدقة والوتيرة بحضور ميت، وقد يزول بحضور ميت آخر. لكن لا يمكن حرق الميت حتى الآن. عملية الحرق يختص بها من بيده الأقدار. وهي قادمة إذا كان الميت سلبياً في حياته الفانية، وقد لا تأتي إذا كان إيجابياً.