الشرق الأوسط

وحدة الصف الكردي.. من يجب أن يخاف!

اتفق حزب الاتحاد الديمقراطي “PYD” والمجلس الوطني الكردي “ENKS” على تقصير مسافات الخلاف بينهما، وتطويع الواقع القاسي، ورسم خارطة طريق لتوحيد الجهود الكردية، وتوحيد الصف، ضمن القيم الوطنية السورية، باعتبار سوريا موحدة ذات نظام حكم فيدرالي.
بعد 4 جولات من المفاوضات في شمال وشرق سوريا، وبوساطة أمريكية وفرنسية، والاتفاق على نقاط أساسية، تؤهل لمواجهة تحديات المنطقة والإقليم كمكون رئيسي وواحد، سارعت تركيا لإنتاج بديل عن المجلس الوطني الكردي في الائتلاف السوري المعارض، وأعادت إلى برنامج عمل هذا البديل عناوين عريضة حاربت بها الكرد في تركيا وإيران والعراق وسوريا، وتحارب بها اليوم على وجه الخصوص قوات سوريا الديمقراطية ومشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.
سارعت لتجهيز “رابطة الكرد المستقلين” كبديل عن المجلس الوطني الكردي في الائتلاف السوري المعارض الذي ترعاه وتأمره وتجنده، في إشارة تدعو للرثاء على تبعية هذا الائتلاف، وتبعية هذا البديل.
وسارعت لتشكيل فريق عمل عربي تحت عنوان ائتلاف عشائر وقبائل المنطقة الشرقية في الرقة وفي دير الزور والحسكة، وجمعت لهم نخب ثقافية وسياسية تقيم في استانبول، في إشارة تدعو للخيبة من ارتهان شخصيات وتجمعات عربية “استانبولية” للقرار التركي.
وتحدث وزير خارجيتها تشاويش أوغلو أنه طلب من قيادات في المجلس الوطني الكردي رفض أي اتفاق مع حزب الاتحاد الديمقراطي، وقوات سوريا الديمقراطية، مستعيناً بدلالات دولته الفاشية في إلحاق “قسد” بالعمال الكردستاني، وما يستتبع ذلك من مفردات.
تخشى تركيا أي تقارب كردي كردي، فكيف إذا كانت القضية هي وحدة الصف الكردي، سيما في الفترة التي تعاني فيها، من أزمات اقتصادية وسياسية وأمنية متلاحقة.
ويخشى النظام السوري من أي تقارب كردي كردي، لأنه يغلق عليه نافذة ابتزاز الطرفين الكرديين، واللعب على خلافاتهما، ويغلق أبواب استعمال الخلاف في مفاوضاته الإقليمية، ويفتح بوابة واسعة لتشكيل أقوى تكوين سياسي واجتماعي في سوريا، سيساهم في انهيار آليات حكمه المستوطنة منذ أكثر من 50 عام.
وتخشى إيران وحدة الصف الكردي، لما له من أثر تفاعلي على مسار القضية الكردية في إيران، ومسار حركة النضال الكردية الطويلة والقاسية في هذه البلاد الرجعية المغلقة.
ثلاثة أنظمة تخشى من وحدة الصف الكردي، وثلاثة قوى ستبذل قصارى جهدها للحؤول دون نجاح المفاوضات، حتى لو اضطرت إلى القيام بعمل عسكري أو أمني أو سياسي كبير، يعيد الشقاق إلى الشارع الكردي.
وحدة الصف الكردي غير موجهة تجاه أي مكون آخر في المنطقة، لا المكون العربي ولا المكون السرياني، ولا غيرهم من المكونات الأخرى، ويفسر ذلك المشروع الديمقراطي السوري الذي بني على أسس اجتماعية وسياسية وحقوقية في شمال وشرق سوريا.
وإذا استطاع الكرد الاتفاق على مشروع سياسي في المنطقة، في هذه المرحلة الخطيرة والغنية بمختلف أنواع الصراعات في الإقليم، فيجب على المكونات العربية والسريانية وباقي المكونات الاجتماعية السورية الأخرى، العمل أيضاً على توحيد صفوفها أو على الأقل توحيد مواقفها، فيما يخدم القضية السورية، ويرسم أنظمة تعيد القوة والقرار إلى السوريين.
على المكون العربي بوجهائه وعشائره وقبائله وشخصياته، أن يخلق مرجعية واضحة تعيد أبناءه العاملين كمرتزقة لدى الجيش التركي المحتل، أو كسلاح لدى النظام المنهك.
وحدة الصف الكردي إذا نجحت، قد تعيد بناء الأولويات السورية، وتعيد ترتيب الإقليم، وتفتح مساحة لتغيير معادلات الأزمة السورية وبالتالي الحل، وهي المهمة الصعبة والخطيرة، لأن أعداءها كثيرون.

طالب إبراهيم

الأسد.. خيار روسي أم إيراني!

اعتبر ضابط الأمن السوري السابق بهجت سليمان، أن قناة روسيا اليوم هي نسخة عن قناة الجزيرة وقناة “العبرية” ويقصد “العربية”، وكان صديقه الدرعاوي، وعضو مجلس الشعب خالد العبود، قد هدّد بوتين من غضب الأسد.
هاجمت الصحف الروسية الرئيس السوري في فترة سابقة، وفضحت فساده وفساد زوجته، في إشارة فهمها بعض المعارضين أن ساعات الرئيس السوري في السلطة باتت معدودة، قبل أن يتحدث الرئيس الروسي في لقاء مطول، حول سياسة روسيا الخارجية، ومعرّجاً على سوريا بقوله، كان يجب على الرئيس السوري أن يقوم بإصلاحات لكنه لم يفعل.
ضمن نفس السياق، تخفى رامي مخلوف مؤخراً، رجل أعمال “مال السلطة”، وقريب الأسد، وجامع مال سوريا بسبب نفوذه ونفوذ عائلته السلطوي، ونشر بعض غسيل “الخلاف الوسخ” مع السلطة، التي يمثل أحد أطرافها، في الميديا، وهدّد الأسد واستجداه، واعتبر محللون أن الانشقاق الحاصل في العائلة السورية “المالكة” سببه، تنازع الولاء بين طرفين رئيسيين في الحكم، طرف يميل إلى إيران والآخر يميل إلى روسيا. وحاول رامي أن يركب الموجة الروسية، سيما أن والده يعيش في روسيا منذ تقليم أظافره السلطوية.
أنشأ الرئيس السوري السابق، حافظ الأسد، علاقات توزيع الثروة والسلطة وفق برنامج دقيق، قانون ثابت في الجوهر، مرن في الشكل، يحافظ فيه على ولاء عوائل السلطة، وعوائل المال، وداخل هذا البرنامج- القانون، نمت علاقة قوية كان جذراها عائلتي آل الأسد- وآل مخلوف. علاقة تربط نفوذ أقوى عائلتين داخل هرم السلطة الأساسي، عائلة الأسد الرئيس، وعائلة زوجته.
انتهت هذه العلاقة بوفاة زوجة مؤسس قانون النظام، وبظهور زوجة الوريث، “أسماء الأخرس” شخصية متنفذة في مركز صنع القرار، ولأن السلطة تعني فيما تعنيه، تطبيق البرنامج- القانون، يبدو واضحاً لدى “آل الأخرس” أن يحلّوا بديلاً عن “آل مخلوف”، الذين فقدوا أي مركز حقيقي لهم في السلطة- النظام، لذلك خلاف رامي مخلوف اليوم، لا يدخل ضمن صراع النفوذين الروسي والإيراني داخل القصر الجمهوري، وإنما خلاف حول تطبيق برنامج الهيمنة الذي أنشأه المؤسس، وعلى “آل مخلوف” الطرف الضعيف في العلاقة- القانون، أن يخرجوا من الصورة.
استطاعت روسيا أن “تحرّر” الأسد، فقد كان محاصراً في دمشق، وكانت قذائف ميليشيات الغوطة تهطل على العاصمة السورية كل يوم، وكان الساحل والوسط والجنوب مطوّقاً، قبل أن تحقق الترسانة العسكرية الروسية انتصاراً، وتتابع الترسانة السياسية جولات انتصاراتها لتوسيع نفوذ الأسد، لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم.
انتصر بوتين على الميليشيات السورية، بعد أن جرّب أكثر من 200 سلاح روسي في الساحة السورية، ساحة الحرب الحقيقية، والتي كان من الصعب تجريب هذه الاسلحة في مكان آخر. ووسّع دائرة نفوذه في الشرق الأوسط، وأعاد هيبة روسيا في الساحة الدولية نسبياّ، بعد أن فرضها في الشيشان وجورجيا واوسيتيا والقرم.
حصل على نافذتين مهمتين في الغرب السوري، نافذة طرطوس البحرية ونافذة حميميم الجوية. وحصل على الفوسفات السوري، ويسعى للحصول على ورقتي الغاز والنفط، وغير بعيد عن ذلك حصوله على شركات الخليوي، بعد أن انتشرت شركاته الاقتصادية في مفاصل السلطة السورية، وفق تدرّج هادئ. وعقود إعادة الإعمار في متناول اليد العسكرية، ويبقى الكثير من العمل لديه في الأروقة الدولية لتنفيذ جوانبها الاقتصاددية.
لكن بهجت سليمان والعبود يغردان خارج الواقع. رجلان يعملان اليوم في المربع الإعلامي الطرفي، من المربعات الأمنية للنظام السوري، يضعان روسيا في خانة الأعداء، ويحثانها على إعادة هيكلة إعلامها وجيشها، وعدم إخراج العملاق السوري من قمقمه.
وجود أكثر من حليف وشريك للنظام السوري، عامل قوة له، سيما إذا كان حجم التناقض بينهم كبير، كما هي الحال اليوم في حليفيه الروسي والإيراني، فهو على الأقل سيكون أمام خيارين، إلا إذا اتفق الخصمان عليه، وهذا يبدو عصياً على التطبيق اليوم، بسبب اختلاف الأجندة الروسية الإيرانية، وديناميكة الاحتمالات، وأولوية المصالح وثانوية القيم. فإذا كانت غاية النظام السوري هي الحفاظ على ذاته، أمام كل الخيارات المتاحة، والاحتمالات الواردة، والتحالفات الحرجة التي سيخوضها، تبدو الأرض والسيادة والإصلاح والتغيير وكل المصطلحات داخل هذه الدلالات المضنية، قابلة للمدّ والتقصير.

طالب إبراهيم

رامي مخلوف يستجدي الأسد!

في فيديو منشور في صفحته في الفيس بوك، يطلب رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، من الرئيس السوري إعادة النظر في قضية شركاته وأعماله وثرواته وخدماته. ويستجدي ويترجى الأسد، ويطالب بكف البلاء عنه وعن موظفيه الفقراء.
يظهر رجل الأعمال ضعيفاً، رجل الأعمال الذي استطاع امتلاك سوريا اقتصادياً ومالياً، الذي حوّل سوريا أرضاً وشعوباً في خدمته وفي خدمة مصالحه وثروته وسلطته وأحلامه، وبقدرة السلطة التي منحه إياها النظام السوري ذاته، حتى بات أحد أهم أركانه على الإطلاق، والذي كان يطلق عليه، رجل أعمال “مال السلطة”.
ماذا يحدث في سوريا؟ من يناجي من، ومن يترجى من، ومن يطلب ممن؟
أي صراع تشهده “مملكة سوريا”، وبين من ومن؟
نشرت صحف روسية منذ مدة، تقارير تفضح فساد “أسماء الأسد”، زوجة الرئيس السوري، وفساد الرئيس ذاته، ونشرت تقارير سابقة، تتحدث عن خلافات مالية وربما “سياسية” بين أركان النظام أو أجنحته كما يفضل البعض أن يصفها، وأظهرت أن الخلاف بين الأسد وخاله محمد مخلوف، والد رامي مخلوف. ونشرت أيضاً تقريراً مفصلاً، أن الرئيس الروسي بوتين، يشعر بصداع كبير من الأسد، قبل أن يستنتج التقرير أن معالجة الصراع تكون بإزاحة الأسد.
يعيش محمد مخلوف في روسيا منذ فترة طويلة، وهو على علاقة طيبة مع أوساط متنفذة روسية، أو على الأقل مع صحف روسية، والتي تعود ملكيتها إلى متنفذين روس. ورجح مراقبون أنه هو خلف تسريب فضائح وفساد النظام السوري إلى الصحف والمواقع الروسية، والتسريب جاء على خلفية مصادرة أملاك وشركات ابنه رامي في سوريا، وتقليص نفوذه، وربما محاسبته.
يشرح فيديو رامي مخلوف حجم الشقاق بينه كمدير تنفيذي وإداري وسلطوي لشركاته وأملاكه وتاريخة من جهة، وبين الرئيس السوري قريبه وشريكه في العائلة والسلطة والثروة من جهة أخرى. والشقاق الكبير وصل لمرحلة، يعجز فيها مخلوف عن مقابلة الأسد، فيعتمد طريقة الناشطين الفيسبوكيين، لإيصال رجائه واستجدائه وسيلة “الفيديو” كملجأ أخير، ربما يشاهده الأسد وهو يتابع صفحات الفيس بوك من القصر الجمهوري.
هل هي الخطوة الأخيرة في تغيير وجوه النظام، والحفاظ على النظام؟
هل صداع بوتين من الأسد، يعني فيما يعنيه، معالجة الصداع بطريقة روسية، تؤول إلى إزاحة الأسد عن السلطة، والحفاظ عليه خارجها؟
هل الخلاف في هرم السلطة السورية اليوم، هو محاولة حثيثة لتجميع الثروة في يد واحدة، بدل أن تكون في أيدي مختلفة؟
أم أن القصة ليست آكثر من تغيير وجوه جامعي الثروة السورية، المستندة إلى السلطة، في البيت الواحد؟

طالب إبراهيم

ترامب بوتين اردوغان.. تجاذب وتشارك!

يتسارع مخطط الاستيطان في المناطق المحتلة من الشمال السوري، عشرات العوائل التي قبلت بأن تستوطن دار وأرض الكردي الذي تم قتله أو تهجيره من قبل الجيش التركي على المساحة الممتدة من عفرين وحتى سري كانيه (رأس العين ).
في رحلة تتجه من داخل الأراضي التركية لتصل بهم إلى الجنة التي وعدهم بها أردوغان، (الجنة) التي تجري فيها أنهار من الدم، أراقها العدوان الهمجي التركي مع مرتزقته السوريين، لتأخذ مساكن وأراضي الأمهات الثكلى والأطفال الذين دفنوا تحت أنقاض البيوت المدمرة وصراخ المسنين الذين لم يستطيعوا الهروب من قنابل تساقطت عليهم من البر والجو، في عملية تغيير ديمغرافي واضحة؛ لقطع أوصال الأهل والأقرباء الذين يعيشون على طرفي الحدود السورية التركية المرسومة بينهم بعد الحرب العالمية الأولى، وإنهاء الوجود الكردي فيها، الوجود الذي يمتد جذوره آلاف السنوات عبر التاريخ.
لا غرابة في ذلك إذا عدنا قليلا إلى الوراء، وبحثنا في تاريخ المنطقة التي تعرضت لعمليات مشابهة منذ ما سمي بالاستقلال، وحتى الآن.
حاولت الحكومات السورية منذ الوحدة مع مصر وإلى وقتنا الحالي دفع الكرد للهجرة، وتفريغ المنطقة منهم، وتسارعت الخطط مع استيلاء حزب البعث على السلطة، حين استولى على الأراضي الزراعية لعشرات الآلاف من العوائل الكردية تحت عنوان الإصلاح الزراعي، الذي كان أحد أهدافه الأساسية دفع تلك العوائل الى ترك المنطقة، والبحث عن مورد للعيش في مناطق أخرى.
ظهر المخطط جليا ابتداء من عام 1973، عندما بدأ توطين الآلاف من العوائل الذين تم جلبهم من محافظة حلب والرقة، وزرعهم في المنطقة المسماة بخط العشرة، الممتدة من عين ديوار على نهر دجلة وصولا إلى سري كانيه “رأس العين”، في عملية تغيير ديمغرافي واضحة المعالم، أدت إلى هجرة عدد كبير من العوائل الكردية الى المدن السورية الأخرى، بحثا عن لقمة العيش بعد أن تم مصادرة “الاستيلاء” على أراضيهم الزراعية، لكن هذه العملية لم تنجح في إفراغ المنطقة من الغالبية الكردية، كما كان مخطط لها من قبل حزب البعث، بالرغم من قلة فرص العمل والظروف المعيشية الصعبة للكرد فيها، لكنهم حافظوا على بقائهم فيها، مما أفشل جزئياً مخطط القوى العنصرية في هرم السلطة السورية.
مع بدء الثورة السورية تأملت العوائل المتضررة من المخططات المذكورة آنفا، في عودة الحق إلى أصحابه، من خلال إعادة الحقوق والأراضي المغتصبة، ولهذا شاركت بفعالية في تعزيز تحرير المنطقة ومن ثم حمايتها من خلال وحدات حماية الشعب والمرأة ومن ثم قوات سوريا الديمقراطية، القوة التي قضت على تنظيم داعش، وعلى ما سمي بدولة الخلافة.
لكن هذا الأمر لم يرق للقوى الشوفينية العنصرية العربية والتركية، وتحولت الثورة الى أداة في يد تركيا لتضرب مكتسبات سوريا عامة، وشمال شرقها خاصة، من خلال هجمات مستمرة بدأت في 2012 في تل أبيض “كرى سبي” وبعدها سري كانية “رأس العين”، واستمرت إلى احتلال جرابلس واعزاز ومن ثم عفرين وكري سبي, وسري كانيه.
وبدأت قوات الاحتلال التركي مع مرتزقة سوريين، بتغيير ديمغرافية المنطقة المذكورة، وتدمير أوابدها التاريخية، وفرض اللغة والثقافة التركية، وتوطين عوائل المرتزقة والمهجرين، الذين جُلبوا من المناطق التي كانت “محررة” في الغوطة وغيرها، والتي سلمت للنظام السوري، من أجل الحصول على سكوته وموافقته على الخطط الإجرامية التركية التي يتم تنفيذها في الشمال السوري.
والغريب هنا، أن يعتبر من هُجّر من داره في حمص ودمشق ودرعا وحلب وبقية المناطق التي خضعت لـ”المصالحات” له الحق المشروع في استيطان دار وأرض وتاريخ من تم تهجيرهم عنوة في عفرين وفي سري كانيه وكرى سبي.
الاستيطان السوري الجديد اليوم، يندفع بالتغني بعطايا أردوغان، الذي دفعه الى الهجرة عن أرضه وداره في الجنوب، لتحقيق أهداف الميثاق الملي التركي، عبر القضاء على السكان الأصليين للمنطقة، وتهجيرهم، وقتل من يعترض، أو خنقه أو التنكيل به في السجون.
بالعودة الى الأهداف التركية في سوريا، فقد تم تنفيذها بأدوات سورية، ورضى ودعم أمريكي وروسي، من خلال انسحاب الطرفين من مناطق تمركزهما، وترك قوات سوريا الديمقراطية في مواجهة القوة الثانية في حلف الناتو، والمعززة بعشرات آلاف المرتزقة السوريين الإرهابيين.
هل حقق أردوغان أهدافه؟
فتح ترامب لصديقيه بوتين وأردوغان المجال لتحقيق أهدافهما في سوريا، هذه حقيقة لا جدال فيها.
فقد رسخ بوتين نفوذه في سوريا المفيدة، ورسخ أردوغان احتلاله للشمال، وفي المناطق الكردية.
بقي خلاف بسيط بين الشريكين الروسي والتركي وهو الاتفاق على حصص البترول.
أردوغان يطالب بوتين بعد سيطرة الأخير على كامل الاقتصاد والسياسة السورية بحصة من عائدات البترول لاستكمال الاستيطان وسلخ كامل الشمال وشمال شرق- إذا استطاع السيطرة عليه كاملاً.
روسيا مترددة في الموافقة على طلب أردوغان، لسببين:
الأول بسبب وجود صعوبات كبيرة في أن تستطيع فرض سيطرتها على كامل شمال شرقي سوريا، بسبب وجود قوة نظامية مقاتلة، ولا ترغب في خلق عداء معها في الظرف الحالي.
والسبب الآخر عدم ثقة بوتين بالإدارة الأمريكية في موضوع الانسحاب من مناطق الإدارة الذاتية.
ومع زيادة وتيرة الاستيطان، والتغيير الديمغرافي في المناطق المحتلة، يلفّ الغموض مصير المنطقة ككل بسبب التجاذبات الروسية الأمريكية فيها، وافتقار الجانب الأمريكي لخطط واضحة ترتبط بمستقبل تواجده.
يحاول بوتين إقناع صديقه ترامب بالانسحاب الفوري، خاصة أن عين أردوغان تنصبّ على المناطق التي مازالت القوات الأمريكية منتشرة فيها، من رميلان وحتى ما قبل الشدادي، لأنه يعتبر أن المناطق الممتدة بعد ذلك، تخص الحصّة الروسية.
إذا تحقق لأردوغان ذلك، فإن الخط الممتد الى الموصل وكركوك وكامل إقليم كردستان العراق، والمنصوص عليه في الميثاق الملّي، يصبح في متناول اليد، مع وجود أكثر من 20 قاعدة عسكرية موزعة في مناطق متفرقة من باشور.

حسين عمر

أمريكا وروسيا.. سباقات في المكون العربي!

تفكر أمريكا في إنشاء فصيل عسكري جديد من المكون العربي في مناطق شمال وشرق سوريا، في الفترة التي تسابقها فيه روسيا لإنشاء فصيل آخر من ذات المكون، وفي ذات المنطقة أو على تخومها.
في منطقة الشدادي، جنوبي الحسكة، فتحت القوات الأمريكية باب التجنيد للأهالي، بهدف تشكيل فصائل محلية. وفي السياق نفسه، يروج الحديث عن رغبة روسية في تجهيز فصيل محلي أيضاً من المكون العربي، تحت مسميات محلية، من أجل العمل خارج دائرة الجيش السوري النظامي.
ما هي القصة؟
لماذا هذا السباق المحموم بين دولتين كبيرتين، تتنازعان السيطرة والنفوذ، لا في سوريا فقط وإنما في الإقليم وفي العالم، دولتان تسيطر كل منهما على ما يكفي من الأراضي السورية، سيطرة تؤكد أن الكيان السوري باعتباره دولة مستقلة، هو مجرد مصطلح وهمي، يطفو متثاقلاً في عقول الكثيرين، ولا وجود له كتمثيل واقعي في ساحة الحرب المتواصلة.
الإدارة االذاتية واقع قائم، تعبر عنه القوة والمساحة والسكان، وتشير إليه شبكة العلاقات في الداخل والإقليم والعالم والثورة، ولكنه واقع محاط بالكثير من المخاطر.
الخطر التركي بكل تفاصيله العسكرية والميليشيوية والارتزاقية. والخطر الروسي والذي يختفي خلف شعارات وحدة الأراضي السورية، لينتشر في كل المناطق، ووفق قوانين المصلحة والقوة وموازينها، معتمداً على مفردة “الشرعية” التي منحه إياها النظام السوري، في انتشاره وسيطرته واستيلائه على الأراضي السورية.
والخطر الأمريكي، والذي قدم مناطق الإدارة الذاتية أكثر من مرة للمحتل التركي، متجاهلاً تحالفات واتفاقيات وتفاهمات مع من يسميهم حلفاؤه في المنطقة.
ولا يغيب أبداً خطر النظام السوري، بما يحمله من رغبة في إعادة فرض سيطرته على القوة والمساحة والسكان والثروة، مستفيداً من هول التناقضات في الجغرافية والتاريخ والنفوذ، ومعوّلاً على “ظاهرة” الانتماء، هذا المصطلح الذي يغوي الكثيرين، ويزيد من حجم الحقد والثأر وصولاً إلى استثماره في المجال العسكري.
في الصراع على التمثيل، تسعى أمريكا للاستثمار في المكون العربي في شمال وشرق سوريا، لأنها تفضل التعامل مع أكثر من طرف في المساحة الجغرافية الواحدة، لسهولة كسب التنازلات في أعقاب المراهنة على الخلافات. وتكسب أمريكا كثيراً، بوجود عوامل كثيرة للانشقاق بين المكونات الاجتماعية في المنطقة، سيما في فترة الحرب، وبعد سنوات طويلة من الحكم الديكتاتوري، والذي اعتمد في استتباب حكمه واستمراره على نشر ثقافة الشقاق.
تكسب روسيا أيضاً أكثر، بوجود أكثر من طرف، وأكثر من حليف، وأكثر من “فاغنر”، وإذا استطاعت أن تَسلُخ ميليشيا “فاطميون” عن الأجندة الإيرانية، فالقدرة على سلخ آخرين عن “انتماءاتهم” السياسية والطائفية”، أمر وارد، خاصة في ظل تطوير مفاهيم الانتماء، وشروطه.
أما تركيا فقد استثمرت في المكون العربي جيداً، ليس في الحرب على مناطق الإدارة الذاتية فقط، ولكن أيضاً في عمليات التغيير الديمغرافي، والتي طالت كل المناطق التي سيطرت عليها، والاستثمار التركي فيهم، جعلهم في فوهة مدافعها، وفي مقدمة جيشها، وفي واجهة الجرائم والانتهاكات والفظائع.
في صورة المخاطر الجسيمة التي تحيط بالإدارة الذاتية كواقع، يغدو أي حديث عن تحالف بين المكونات الاجتماعية على أساس طائفي أو قومي، بمثابة طعنة للمشروع السوري، الذي يعتمد في جوهره “الثوري”، على بناء عقد اجتماعي يتخطى القوميات والأديان والطوائف، ويحتاج إلى مراهنات مؤلمة ومتعبة في دربه الشاق والطويل والمرهق.

طالب إبراهيم

الكوردي الجيد والكساد الأخلاقي للمعارضة!

سبق لي وأن أشرت إلى أن الثورة السورية فشلت في الانتصار أخلاقياً على الجلاد، قبل أن تسقط سياسياً وعملياً أمام جيش نظامه. فما أحدثته من انقسام وما أثارته من كرنفالات الكراهية بين المكونات السورية لم يسبق للسوريين أن تعرفوا عليه في تاريخهم القريب والبعيد. إذ خلّفت وراءها صدوعاً وانهيارات أخلاقية، وعلى جميع المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية، يستحيل علينا تجاوزها في زمن قصير. وربما تطبع بطابعها التراجيدي الخاص الهوية السورية وتترك فيها ندوباً وجراحاً مفتوحة لأمد طويل.
إن كلّ ثورة تحتاج إلى اتساق أخلاقي معين في المبادئ، وإن انطوت على اختلافات سياسية جليّة. فالتاريخ لا يعرف ثورات محض أخلاقية، وحتى ثورات الأنبياء والرسل كانت لها هفوات أخلاقية جلية. ولم يسبق للتاريخ أن شهد ثورة للملائكة أو القديسين، هذه موجودة في الأساطير فقط. ولكن الثورة إن كانت خالية من القيم أو لا تملك ضوابط أخلاقية أو سياسية، ولا تساهم في إنتاج قيم إنسانية جديدة، وقيم حياة جديدة، وبالنتيجة بشراً من طراز جديد تستحيل إلى كارثة، وتعيد إنتاج أشدّ أشكال البؤس تخلفاً. والتاريخ يعلمنا أن جميع قوى التغيير والمعارضات في العالم التي قامت بالثورات وأحدثت تحولاً عظيماً في أوطانها وأوضاعها، إنما أنتجت، في الوقت ذاته، قيماً وطنية سامية أرقى وأكثر تقدماً، ورسخوا القيم الإيجابية القديمة، قيم الانتماء والتضامن الوطني. والحال حتى الآن، أن المعارضة السورية عجزت عن بلورة قيم وطنية جديدة تعكس انتماءاً وطنياً أسمى، على العكس من ذلك، كلما مضى الوقت أكثر تعرّت أكثر من القيم الوطنية والأخلاقية، وغاصت وتمترست وراء قيم أيديولوجية في غاية التخلّف والسلبية ورهنت إرادتها لأجندة غير وطنية.
لعل أبرز مثال على ذلك، ما تعرّض له الشعب الكوردي من إهانات بالجملة واحتقار وازدراء ليس فقط من قبل عوام المرتزقة التابعين للإئتلاف المعارض لدى اجتياحهم المناطق الكوردية، وأفرغوا زخّات شتائمهم البذيئة ونابيّتهم، التي تنمّ عن كراهية وانحطاط تربوي في المنشأ بحق شعب بكامله. كذلك الأمر مع نخب ورموز( المعمعة) السورية، الذين لم يتوانوا بكل حقد وصفاقة في الإفصاح عن تركة الوضاعة والسوقية لديهم، التي تعكس القاع الأخلاقي العميق لثقافتهم وتربيتهم الأيديولوجية. فمن قائل بأن أصول الكورد غجر إلى أجير النظام سابقاً القائل بأنهم( بويجية) وماسحي أحذية إلى المهرّج الثورچي، الذي نفى عنهم صفة الآدمية… الخ دونكم بأحكام التكفير التي أطلقها شيوخ التكفير التابعين لعصابات الإخوان، بحق الكورد وغيرهم، التي بررت قتلهم وسبيّ نسائهم والسطو على أملاكهم ونهبها.
إن ما تعرّض له الكورد على يد أولئك( الثورچية) في زمن( الثورة) السورية من ازدراء وإسقاط أخلاقي لم يسبق أن تعرضوا له حتى في ظلّ نظامي صدام حسين أو الأسد، اللذين رغم قسوتهما وفاشيتهما القوموية لم يبلغا هذا المبلغ من الضعة والسوقية. إذ رغم المجاز والقتل كان التوقير الأخلاقي للضحية لدى الطاغيتين ربما أفضل من ابتذال ودونية ثورجية المعمعة السورية. وهذا مايعزز لديّ القناعة بأن هؤلاء الذين لم يبلغوا ذاك الحدّ من السطوة والقوة، التي كانت لدى النظامين البعثيين، لو قيّض لهم النصر وتمكنّوا لأقدموا على ما هو أسوأ وأكثر توحشاً وإجراماً منهما.
هذه المفارقة تفضي بنا إلى نتيجة واحدة على الأقل، هي أن هذه( الثورة) تقدمت منذ البداية نحو إثبات ذاتها سياسياً دون أيّ رأسمال أخلاقي رمزي مشترك، أو دون أن تتراكم لديها ميراث أخلاقي حيث وضعت نصب أعينها غاية وحيدة ورئيسة هي الاستيلاء على السلطة وإسقاط النظام القائم أيّاً كانت الوسائل المستخدمة. ويبدو لنا في نهاية المطاف أن هذه( الثورة)، التي تحوّلت إلى كرنفال للدم والخراب، لم تعد قادرة على ضمان حقوق الضحايا والمقهورين المهدورة في زمن الاستبداد، ولكنها تبدو معنية أكثر بالحفاظ على امتيازات أعوان الجلاد وعملائه الذين أمعنوا في الاستزلام له طوال تلك الفترة وانشقوا عنه في برهة غرق سفينة الاستبداد، ليصبحوا هم الأوصياء على دماء الضحايا الآن وسادة العربدة الثورية.
هلّ يمكن تفسير هذا الأمر بمجرد القول إنه سلوك فردي لا أخلاقي؟ بالتأكيد لا، فما يقبع خلف هذه الآراء والمواقف هو نمط متكامل من الخطاب السياسي والأيديولوجي وجملة من الممارسات الخطابية ومنظوم قيم ومعايير باتت راسخة، وغدت عادات أصيلة في تفكير المعارض السوري وسلوكه، المحسوب على التيارات الإخوانية والعروبية، وهي في جملتها ما يمكن أن نطلق عليها مفهوم( العقل الأخلاقي) للمعارضة السورية. إنه خطاب أزمة يعكس هزيمة العقل السياسي الحامل له منطقياً وواقعياً، فهو يبحث عن ضحية أخرى يبرر بها هزيمته، وينتقم منها كي يستعيض بها شجاعته المفقودة.
الثورچي اليوم، الذي تربى في كنف النظام، ورضع من ثدي أيدولوجيته وقيمه السياسية، وعاش تحت فضاء من الشعارات والرموز السياسية والتربوية، وكان متطبعاً ولايزال بهذا المجال، ليس من السهل عليه التحرر منه بالسهولة ذاتها التي قفز بها من قارب النظام المنخور بين عشية وضحاها. وبالنتيجة لا نكون إزاء إنسان متحرر من سلطة الجلاد وسلوكه، وإنما مجرد ضحية مشوّهة لا يزال يثوي داخلها طاغية قزم وتافه، يحفزّها الغلّ والكراهية والرغبة في الانتقام من كل ما يقع في طريق تطلعاتها إلى ممارسة دور الجلاد.
يبرر هذا الاستنتاج إن جميع من أذاق الآخرين صنوف القهر والعذاب، من اعتقل الناس، المخبر الذي كان يلاحق أنفاس البشر ويذيل تقاريره الكيدية عن حركاتهم، الجلاد الذي كان يفترس ضحاياه في الزنازين، المحقق، اللص وناهب المدن، المرتزق الذي كان يخرج في كل أوان ليهتف باسم القائد الخالد ويرغم الناس على الهتاف معه، الفاشي والعنصري الذي كان يطعن في هوية المختلفين معه وانتمائهم، المتعصب والمهووس بإيذاء الآخرين. كلّ هؤلاء أصبحوا في صفّ الثورة لما شعروا أن قارب النظام المنخور بات على وشك الغرق. وبعضهم أصبح ناطقاً باسمها ورمزاً لها. من عارض النظام وعارض هؤلاء ولوحق وفرّ من البلد ثائراً لحقه هؤلاء واغتصبوا ثورته، إذاً ما مبرر بقائه ضمن هذه الثورة، إذا كانت كتلة الشرّ أصبحت كلها في هذه الضفة، ألا نحتاج إلى ثورة أخرى على هذه الثورة كي تتطهر من جميع الشرور التي لحقت بها حتى أصبحت ضد مبدئها بالذات؟
فضلاً عما سبق فإن الخطاب السياسي للجماعات الإسلامية والقوموية المعارضة، قدمت على الدوام لمثل هذا الثورچي موارد نظرية يبرر بها رؤاه ومواقفه ليس من الكورد فحسب، وإنما أيضاً من جميع المكونات الهوية السورية، مثل الطوائف، العلوية، الدروز إلخ. فموقف الازدراء والاستعلاء يظل مطبوعاً وطاغياً على نظرتهم وموقفهم اتجاه الجميع. إلا أنه يتخذ في الحالة الكوردية طابعاً أشد حدّة وتطرفاً، لأن الكورد يشكلون تحديّاً سياسياً وربما وجودياً في وعيهم.
هناك فجور سياسي وأخلاقي صارخ سائد في سلوك أطراف عديدة وأفرادها. انتحال مفضوح ومريب لدماء ضحايا الشعب السوري. بعضهم يطالب باحترام وتقديس بعض القضايا الوطنية وهو ذاته من يخونها سرّاً وعلانية. بعضهم يعلن صراحة تمثيله للشعب السوري، ويؤكدون على ذلك مراراً وتكراراً ويحث الشارع والآخرين على مبايعته وفي الوقت ذاته هو نفسه لا يحترم هذا الشعب وقيمه وتنوّعه، ولا يحترم الثقة التي منحه إياها الشارع. عدد من رموز الثقافة السورية والسياسيين المعارضين، ممن كنّا نعتقد فيهم السمو، كشفوا طوال عقد من الزمن عن ضيق أفق وتعصب لا يليق إلا بمتطرف يهودي مهووس بيوم السبت. فضحتهم انفعالاتهم الحقيقية ومشاعرهم المقنعة بعبارات العقلانية والتسامح الفضفاضة. روائح الكراهية الطائفية والقوموية التي لا تطاق أخذت تفوح بقوة من كلماتهم.
هذه الرؤوس الساخنة في المعارضة السورية خدمت النظام أكثر من أزلامه ومرتزقته، الرؤوس الساخنة التي تجاهلت حقائق الوضع السوري، وتعاطت معها بنفس منطق النظام. الرؤوس الساخنة، التي أرادت أن تقدّ مستقبل سوريا طبقاً لأهوائها وأوهامها الأيديولوجية، الرؤوس الساخنة، التي لم تدرك بعد أن البلاد باتت غارقة في هاوية الحرب الأهلية وهي لاتزال تتبجح وتتغطرس وتعاند. لأنها ببساطة شديدة جرّدت كل دعوى أو مطلب سياسي من أبعاده الأخلاقية. تأكيد الذات وثنياً، الوعي المشوّه بالكرامة الفردية والجماعية، ردّات الفعل المنحرفة، ازدواجية المعايير الأخلاقية وغياب الاتساق في الوجدان الجمعي، النخوة المجانية، المكابرة الفارغة ومعاندة التقدم، الضجيج الاستعراضي والزعيق الأرعن الناجمين عن غيرة زائفة، الهستيريا القطيعية المتطرفة المصحوبة بالرغبة في الانتقام، الذاكرة الانتقائية، النزعة الإيمانية المنافقة والسطحية، كلها مظاهر لأزمة العقل الأخلاقي وتناقضه، حيث تجدونها جليّة وصارخة في تظاهرات السلوك السياسي للمعارضة السورية، بخاصة تلك القابعة في استنبول وتدار من هناك بمقود المخابرات التركية.
بالطبع لا يمكن تفسير هذا الفجور الأخلاقي والصفاقة لدى هؤلاء وغيرهم، بل والسياسي كذلك، بموجب هذا الأمر فحسب. ذلك أن النخب السياسية والثقافية أيضاً تهاونت منذ البداية مع مثل هذه المواقف. بل إن الكثيرين منهم تهاونوا مع الأمر وعدوّه أمراً عارضاَ. مثلما أن الكثيرين ممن أسميتهم في وقت مبكر بـ( بالأكراد الجيدين) و اكتسبوا أخيراً صفة الـ( أوادم) قبلوا على أنفسهم هذا الخزي وصفقوا لمثل هذه العربدة بحق شعبهم بدونيّة ودون خجل. فالمهم بالنسبة إليهم أن يتدرجوا مع هؤلاء وينخرطوا في الفضاء السياسي والثقافي السوري ذاته. إن استجداء رضى المعارض السوري، كان أقصى ما يتطلع إليه أشباه السياسة والثقافة الكورديتين، شرط أن يتحلل من كورديته( السيئة) أو( الرديئة) التي كانت على الدوام تثير حفيظة هذا( المثقف)، فالكوردي الجيد هو وحده الكوردي العقلاني المعتدل في هذه الأوقات، بنظر المعارضة العروبية والإسلامية، إنه الكوردي المطيع، غير مشاكس، غير نزق، الساذج، المرن إلى أقصى حدّ. أي المساوم والناعم، الأملس والظريف في نظر المالح والبيانوني والشقفة وجميع البطانة الإسلامانية والقوميين الجدد ومعظم السوقيين من جوقة البذاءات والشتائم. إنه الكوردي المداهن، المنافق والمتملق، الذي لا يكفّ عن التهليل والإعجاب بتفاهات المثقف( السوركي)، الوضيع والمتدني أمام ترفع وغطرسة الأخير، يعترف بسيادته ورعايته له، ويقبل لنفسه بدور التابع الدوني، ويتوائم باستمرار مع مزاعمه بالتفوق والحكمة والوصاية والسيادة. ويبدي استعداده على التعايش مع جميع مزاعمه وأوهامه الأيديولوجية عن الأمة الخالدة والهوية والمصير المشترك، وأن تستجيب مع منطقه السياسي وتتسق مع توجهاته العنصرية.
الكوردي الجيد يراد به في هذه الحالة الكوردي الوديع واللطيف، وحتى الرومانسي الذي يتغنى بأمجاد العروبة، ويحلم بوطنية مصاغة على هوى الآخرين. وبالمقابل قد يضطر أحياناً إلى أن يحتقر ذاته ويتخلص من كل ما يمتّ إلى هويته وانتمائه بصلة كي يتوافق وينسجم مع غرور وغطرسة سيده المعارض. عليه الاستعداد أن يكفّر بكل انتماء له أو حق، وحتى أن يمحى ذاته ويتماه في عباءة سيده. إنه الكوردي المتحرر من حالة الاحتقان الأيديولوجي الناشئ عن الشعور بالقهر، المتطهر من وباء كراهية الأوغاد العنصريين، الذين ينكرون حق البشر في الكرامة والمساواة. إنه الكوردي المطلوب الآن بإلحاح شديد في جميع المناسبات والأوقات. إنه مسخ ( العروبي الجيد) في نظر الأمريكيين أو الأوروبيين ونسخة كاريكاتيرية عنه. وخلاف ذلك هو الكوردي العنصري المقيت، الكوردي السيء والقبيح بنظرهم، الذي يفتقر إلى الحس الإنساني بالكرامة.
الكوردي الجيّد، هو الذي يكفّر بانتمائه الكوردي لتأكيد هويّة لا معنى لها ولا مبرر إلا تحت رايات البعثيين الجدد أو أشقائهم من ورثة ثقافة التكفير الصدئة. وبأخصر القول، الكوردي الجيد، المطلوب بشدة، والمرغوب فيه هذه الأيام، هو العديم الكرامة، الفاقد للجرأة والشجاعة، المعتاد المذلة و الهوان، العاجز عن أن يجد نفسه إلا عبداً و تابعاً لجلاده. وفي المحصلة بدا هذا الـ( الكوردي الجيد)حتى في نظر الثورچي، مثاله الأبهى، مجرد مهرج ( آدمي من الأوادم)سياسي أو ثقافي، فاقد للهيبة والجدارة.
إن عملية تسفيه الشعب الكوردي وقضيته كانت مقصودة، خدم خلالها العديد من الأفراد والأحزاب الكوردية أجندة المعارضة القوموية/ الإسلاموية، ولم تساهم في الحفاظ على وقار وهيبة شعبهم أو قضيتهم حتى صرنا نستجدي آدميتنا من( مهرج) تافه، ممثل فاشل، أو لص يعتقد أنه قادر علي رفع الكرة الأرضية برأس اصبعه إن شتم الكورد وأمعن في إهانتهم والتقليل من آدميتهم.

سربست نبي*، أستاذ الفلسفة السياسية في جامعة كويه- كوردستان العراق

كورونا فايروس وتركيا فايروس!

أنشأت القوات التركية سجناً جديداً في وسط عفرين، ووضعت فيه النساء اللواتي تعتقلهن بتهمة أو بدون تهمة. وكلفت عامر المحمد، قريب “أبو عمشة”، بإدارة أمن عفرين، والذي لم يحصل على أية شهادة دراسية، ولم يلتحق بأية كلية عسكرية، لكنه مُنح رتبة “مقدّم”، وميزته الوحيدة أنه قريب محمد الجاسم “أبو عمشة” متزعم ميليشيا “السلطان سليمان شاه” التي تخدم أجندة الجيش التركي، ومن خلفه الدولة العميقة، مثلها مثل مئات الميليشيات التي أنتجتها الأزمة السورية برعاية مخابرات محلية وعربية ودولية، لتسقط كلها في لمح البصر، في نفق عصابات الاخوان المسلمين، وليكونوا عن سابق الرضى والإذعان السوط التركي في عفرين والشمال السوري.
لا علاقة للحدثين ببعضهما، حَدَثُ بناء سجن جديد في عفرين، وتكليف “أبو عمشة الصغير” بأمن عفرين. ولكنهما يأتيان في سياق النهج العام الذي تسلكه تركيا، في عفرين من انتهاك لحقوق الإنسان، وخرقاً للمواثيق الدولية، وفي زمن احتلال الفايروس كوفيد 19 على تفاصيل الأخبار العالمية والمحلية.
تكليف الفايروس “أبو عمشة الصغير” والقاتل الجديد، وبائع الخضرة السابق قبل الثورة المنحوسة، بمهام الأمن في عفرين، يأتي بعد تكليف قريبه الفايروس “أبو عمشة الكبير” بمهمة “القاتل المأجور” في ليبيا، وبعد تكليف مجموعة كبيرة من “الفايروسات العمشات” المأجورين، بمهمة التغيير الديمغرافي، والتطهير العرقي في مناطق شمال وشرق سوريا.
وفي سياق التغيير الديمغرافي، وتحت جناح فايروس كورونا الذي أنهك العالم، تستمر تركيا بتوطين أهالي “العمشات” المأجورين، في المساحة التي احتلتها، من مناطق شمال وشرق سوريا، قبل ولادة الفايروس القاتل.
قبل ولادة كوفيد 19، قتلت تركيا أهالي عفرين، وشردت أهالي رأس العين “سري كانيه”، وأسرت أهالي تل أبيض “كرى سبي”، وبعد الفايروس القاتل، وطّنت تركيا أهالي “الفايروسات العمشات” بالتوازي مع افتتاح سجن كبير لنساء عفرين.
يعاني العالم اليوم من كورونا فايروس، يعاني من فايروس قاتل، على الأقل هذا ما تتحدث عنه الميديا الغربية، وانتقلت بالعدوى لتصيب الميديا في كل مكان، لكن مناطق شمال وشرق سوريا تعاني من فايروس أخطر وأشد قتلاً وعدوانية من كورونا فايروس.
تعاني من تركيا فايروس، والتي لا يمكن أن يكون كورونا فايروس المستجد والفتاك إلا دمية جامدة رغم عنفه، أمام فايروساتها “العمشات” وكائناتها الهلامية التي تتلون كما تريد لها تركيا، وتتجاوب كما يقودها الصوت والسوط التركيان، أمام فصائل وميليشيات أقدم عناصرها على حلق لحاهم، وتقصير ثيابهم، وتبديل الأفغانية منها بثياب الجيش التركي، ورفع الأعلام التركية، بالتوازي مع أناشيد داعش والقاعدة، وعلى مرأى العالم الثوري منه والانتهازي والمنافق.
في عفرين، وفي تل أبيض ورأس العين وأخوتهم من المدن والقرى والبلدات الأخرى، التي وقعت في أيدي العصابة التركية، وصغارها من العصابات العمشاوية، يغدو خطف النساء، وتجارة الفدية، وقتل الرجال، وطرد المسنين، وتحويل المياه، وبناء الجدار العازل، وقطع الزيتون، وحرق الحقول، تمثيلية معقدة لهدف تركي واضح وفظيع. هدف يختصره مصطلحان كبيران، تغيير جغرافي لعفرين وأخواتها السوريات، وتطهير عرقي لعفرين وأخواتها السوريات، على أيدي ميليشيات عمشاوية جديدة، تنافس في فظائعها جيش عثمانها الانكشاري.
عن قناة اليوم

السيدة شعبان وصحاف العراق!

تنبأت السيدة بثينة شعبان، مستشارة الرئيس السوري، بهزيمة أمريكا في سوريا، وقالت إنها “لصّ”، في حديثها مع قناة الاخبارية السورية، وتنبأت بسقوط نظام حكم اردوغان في تركيا، وتنبأت أيضاً، بأن الغارات الاسرائيلية على سوريا لن تشوّش على المواطن السوري.
عملت السيدة بثينة شعبان كمدرسة للأدب الانكليزي في جامعة دمشق، وبعد مجموعة من عمليات التجميل التي خضعت لها، عملت كمترجم للرئيس السوري السابق، ومستشارة سياسية وإعلامية للحالي.
تقوم السيدة شعبان اليوم، بدور محمد سعيد الصحاف، وزير إعلام صدام حسين، الذي شحن الشعب العراقي والعربي عبر مجموعة كبيرة من الأكاذيب في زمن الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003، انتهت كلها، عند هروبه بشعره المصبوغ، وبلباسه الداخلي، تاركاً بدلته العسكرية فارغة من كتله الدهنية، في كاراج منزله. قبل أن يظهر في الإمارات، رمادي الشعر، متهدل التجاعيد، ويقول على قناة العربية، إنه رجل بسيط.
في لقاء سابق على قناة الميادين، قالت شعبان، إن الاقتصاد السوري الآن، أفضل بخمسين مرة منه عام 2011، وهي ترفع سبابتها أمام المذيع “الميادني” المتفاجئ.
وقالت في صحيفة الوطن السورية، إن اتفاق بوتين واردوغان حول إدلب، “مكسب كبير” لسوريا لو تم تنفيذه، لأنه يشدد على محاربة الإرهاب، ووحدة وسيادة الأراضي السورية، قبل أن تردد، أن هذه ثوابت سوريا.
وأكدت السيدة المستشارة، أن غياب الاسد عن حضور المفاوضات والاتفاق في موسكو، مردّه أن الأسد لا يرضى أن يجلس مع اردوغان الاخواني، سيما أن تصريحات هذا “التركي الرئيس” غير عاقلة وغير مسؤولة.
كان هذا قبل أن يقول الأسد في مقابلته مع قناة روسيا 24، أنه جاهز لعودة العلاقات السورية التركية إذا تخلى اردوغان عن دعم الإرهاب. وكان قد أرسل علي مملوك رئيس مجلسه الوطني، للقاء حقان فيدان رئيس المخابرات التركي، للتنسيق الأمني وربما العسكري وربما السياسي في فترة سابقة، وبرعاية روسية. وقبل أن تكتشف السيدة شعبان، أن اردوغان اخواني، وغير جدير بالمقابلة والتفاوض، خاصة أن الرئيس الروسي بوتين، يقوم بهذا الدور، يفاوض بدلاً عن الأسد وعليه، وبديلاً عن سوريا وعليها.
روسيا حليف موثوق تؤكد السيدة بثينة، ويمكن الاعتماد عليها، فقد حضن بوتين الاسد في زيارة سابقة، وابتسم له، على عكس العبوس الذي واجه به اردوغان.
تقدم المستشارة دروساً جديدة في فهم السياسة، وقراءة المواقف، وربما قراءة الكفّ، اعتماداً على مساحة الحضن، وعبوس الوجوه.
لكنها، تخمّن بطريقة غير سياسية، وهي تقرأ بعض تفاصيل اتفاق اردوغان بوتين حول إدلب، بأنه لو تم تطبيق هذا الاتفاق، فستعود أريحا وجسر الشغور إلى سيطرة “الحكومة السورية”، وسيفتح طريق حلب اللاذقية.
لا تستطيع تأكيد ذلك، وتستخدم “لو” المفردة التي لا تشير إلى شيء عقلاني أو مسؤول، رغم “المكسب الكبير” الذي حققته روسيا في مفاوضاتها على سوريا، ورغم وثوقية بوتين، الذي حضن الأسد، والذي يفاوض بديلاً عنه، والذي يقبل أن يجلس مع الاخواني اردوغان، للتفاوض على سوريا، ويفتح السماء السورية، أمام الطائرات والصواريخ الاسرائيلية لتقصف مواقع في سوريا، ويتم قتل جنود سوريين وغيرهم فيها، ويغضّ الطرف عن محاولات “العدو” الاسرائيلي في التشويش على بقايا المواطن السوري، الذي لا يملك جنسية أمريكية كما هي حال أولاد السيدة شعبان، ولا يملك جواز سفر دبلوماسي كحال السيدة المستشارة، ويعاني من تردي الاقتصاد السوري أكثر بخمسين مرة منذ بدء الأزمة، على أقل تقدير، وينتظر بفارغ الصبر أن يرى في كراج بيت السيدة المستشارة، بقاياها قبل أن تهرب، وتظهر على قناة تلفزيونية لتقول، إنها إنسانة بسيطة.

طالب إبراهيم

بوتين يخون أيضاً!

أعاد الرئيس التركي اردوغان السيطرة من جديد، على قرى وبلدات في ريفي إدلب وحماة، بعد تنفيذ تهديده، وتسيير طائراته ومدافعه ومدرعاته وجنوده ومرتزقته، وتحت مسامع وأنظار الرئيس الروسي بوتين، وأمام أنظار السوريين، جماعات وأفراداً، معارضات وموالاة، وتحت عنوان مثير لعدوان جديد اسمه “درع الربيع”.

طالب اردوغان بداية بتنحي روسيا جانباً، حتى يتمكن من محاسبة النظام السوري وجيشه على سلوكه المشين، الذي أدى إلى استعادة بلدات وقرى كانت تحت سيطرة الجهاديين، قبل أن يستنفر لاجئيه بالزحف إلى الحدود اليونانية، ويوقد جيشه تحت شعار الحق المشروع، ويشحن مواطنيه المستائين من مقتل جنوده في موطن السوريين، واضعاً نصب عينيه ملاذين اثنين:

أولاً خيانة الرئيس الروسي بوتين لحليفه في دمشق، وثانياً سماحه “أي بوتين” بكل طيبة خاطر ومرونة، بقصف الجيش السوري والمواقع والمدرعات والآليات والطرق، وفتح سماء إدلب أمام أسراب طائراته المسيرة الجرارة لتنفيذ مهماتها بكل دقة.

خان الرئيس الروسي بوتين القذافي الرئيس الليبي السابق، حليفه في ليبيا حين وافق في مجلس الأمن على تدخل الناتو في ليبيا، لمحاسبته، بعد سيل الوعود الغربية التي تلقاها، بضمان مصالح روسيا في ليبيا الحديثة. لكن الناتو والمجتمع الغربي وأمريكا تنكروا لوعودهم.

خان الناتو بوتين، وخسر حليفه وليبيا.

تحدث الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله عن “خيانة بوتين” في فترة سابقة، بطريقة غير مباشرة، بطريقة خجولة، حين قال “الروس قصة أخرى، لا أريد الحديث عنهم”. كان هذا قبل ان تتحدث تقارير صحفية محلية وتركية عن استهداف الطائرات التركية، لموقع يتحصن فيه مقاتلو حزب الله من فرقة الرضوان في سراقب، أدى إلى مقتلهم جميعاً، تحدثت التقارير أن الروس أعطوا إحداثيات الموقع للأتراك.

احداثيات مواقع سوريا المهمة، المموهة والمكشوفة موجودة لدى من يود القصف، من تركيا إلى اسرائيل، والطائرات المعادية تقصف، وبمعرفة الروس، وبالتنسيق معهم وبضمان عودتهم سالمين.

ودمشق الشرعية، والتي فتحت حدودها وموانئها وقواعدها وشوارعها وناسها، للتدخل الروسي، هي ذاتها التي تستهدفها الطائرات والصواريخ الإسرائيلية صباح مساء، وبمعرفة وتنسيق القيادة الروسية. روسيا تمنح “الشرعية” للطائرات الاسرائيلية بقصف سوريا بالجملة، مواقع الجيش ومواقع إيران وميليشياتها ومواقع مجهولة.

لقد تحولت دمشق من عاصمة الشرعية، بقدرة بوتين إلى عاصمة القصف الاسرائيلي.

لم يتردد القيصر الروسي أيضاً، في فتح المجال الجوي أمام تركيا، لأن مصالحه مع تركيا أكبر من إدلب، وأكبر من حفنة من الآليات العسكرية الخردة، والجيش الخردة، والبلاد الخردة.

سوريا بالنسبة لبوتين اليوم خردة جغرافية، تسيطر عليها سلطة “شرعية”، يحتاجها لإضفاء الشرعية على تواجد جيشه في المدن الرئيسية والساحات المهمة، وتواجد شركاته في مفاصل الاقتصاد السوري الآن وفي المستقبل،. سلطة شرعية يحدد صلاحيتها القيصر وحده.

طالب إبراهيم

ادلب.. إنها الحرب إذن!

دخلت قوات تركية إلى محافظة إدلب شمال غربي سوريا، ووصلت أعدادها قرابة ال 100 ألف جندي وضابط. وقبل ذلك، يقاتل بحذاء الجيش التركي عشرات آلاف المرتزقة، سوريون وغير سوريين، يتوزعون على ميليشيات جهادية مكشوفة، وجهادية مموهة، في حرب خطها الواضح رسم خارطة جيوبوليتيكية متفق عليها في الأستانة بالعام، وتبقى تفاصيل دقيقة يجب الانتهاء منها، قبل موعد ولادة حدود جديدة، تؤلف بين المتخاصمين، وتزيد توافقهما.

تنشر وكالات الأنباء العالمية والعربية والمحلية، أخباراً عن خلافات جوهرية روسية تركية، وتشير إلى احتمال انكسار العلاقة بينهما، ورجوع تركيا العميقة، إلى موقعها الطبيعي في حلف شمال الأطلسي، على وقع تصفيق أمريكي، احمرت أطراف جيمس جيفري المنسق الأمريكي في الملف السوري منه.

هل حقاً هي بداية الانشقاق الروسي التركي!

هل تفكر تركيا بالقذف بمصالحها الحيوية، المادية والمالية والغازية والتجارية مع روسيا، من أجل بضعة كيلومترات في الشمال الغربي السوري!

هل تفكر بالتخلي عن مصلحتها الحقيقية في تحقيق الاكتفاء الذاتي من خط الغاز الروسي، بحصولها على مادة الغاز من الخط مباشرة! هل تفكر بقطع التبادل التجاري والذي تخطت عتبته مليارات!

هل تفكر روسيا بالتخلي عن مشروعها الغازي، الذي تعتبره منقذها من الحصار الغربي، والذي كلف جهوداً كبيرة وأموالاً كثيرة، عبر الاتفاق مع الأتراك حوله، وعبر مده وحمايته والتواصل مع المستهلكين في أوروبا الشرقية منها والغربية، هل تفكر بالتخلي عنه، ومن أجل ماذا؟ من أجل الحفاظ على سورية إدلب، ووحدة المدينة والمحافظة سكانياً وجغرافياً، وانتمائها للوطن السوري المنقسم والمشوه والمأزوم والمباع!

هل يعتقد الرئيس السوري، المرتهن للقرار الروسي، أنه يستطيع متابعة المعارك، بجيش يفتقد العدد والعدة والعقيدة والخارطة والهدف والطريق!

الدول الكبيرة لا توقد الحروب فيما بينها مباشرة. لغة المصالح أكبر بكثير. وفي مسار السياسة المرتهنة للمصالح، يتم استبعاد كل المبادئ، وحضور مكيافيلي واضح وشفاف.

مكيافيلي أمريكي وآخر روسي وثالث تركي، ولا يغيب أبداً عن اللوحة مكيافيلي إيراني يتواجد في كل مفصل في المنطقة، يهدد بإثارة الحروب، ثم ينسحب إلى وكره، ليستعين بأطرافه العنكبوتية.

الحرب التي كان يجب أن تندلع في الفترة الماضية كانت بين أمريكا وإيران. لكنها لم تحدث. ولن تحدث.

لماذا؟ لأن وضوح المكيافيلين ألغاها.

هناك مصلحة أمريكية في انكسار العلاقة التركية الروسية، رسمتها كل الإشارات التي رشحت عن القيادة الأمريكية، في فترة الأزمة الأخيرة، من قبيل أطلسية تركيا، وتركيا هي الناتو، والناتو هو تركيا، وفي فترة الأزمة الماضية، حول تشريع الاحتلال التركي لمناطق في شمال وشرق سوريا، على حساب شركاء أمريكا في محاربة الإرهاب، وفي هزيمة داعش العائد إلى الحياة.

لكن “تركيا العميقة”، التي تستعمل اردوغان وحزبه الإسلامي، وجموع الجهاديين بكل منابتهم الفكرية والتمويلية، تعرف من أين يؤكل الكتف، وتعرف أن مصلحتها الحقيقية هي في استثمار علاقتها الأطلسية، واستثمار علاقتها مع معسكر روسيا في الإقليم.

وتعرف روسيا البوتينية، أن مصلتها فوق كل اعتبار، فوق سورية إدلب، وسورية سوريا، وسورية النظام، وتعرف أن الخلاف الروسي التركي اليوم، هو خلاف عائلي، حول عدد الأطباق في المائدة. لا أكثر.

طالب إبراهيم