بعد عودة الرئيس الأمريكي ترامب

تصاعدت أزمة الدول الخليجية ومصر من جهة مع قطر من جهة ثانية بعد عودة الرئيس الأمريكي من السعودية، والتي رسم فيها توجهات القيادة الأمريكية الجديدة، العسكرية منها والاقتصادية وترسيم حدود القوة الأمريكية، في الخليج أولاً، وفي الإقليم ثانياً، وكبح جماح رغبة قطر في قيادة الخليج، وتحديد القائد له في ولاية الرئيس الأمريكي الحالي على أقل تقدير.
بعد عودة الرئيس الأمريكي من الخليج، لن تعاني السعودية من أزمة حكم، كما تصوّر الكثيرون. الصورة باتت واضحة أكثر من أي فترة سابقة. الأمير محمد بن سلمان هو الملك القادم، وبموافقة أمريكية، أظهرها إشرافه على سيل الاتفاقات العسكرية والمالية. والتي غيرت اتجاهات العجلة الأمريكية، وحددت الملك القادم في السعودية، والوسيط الأول في الخليج. الأمير الشاب الذي حفر بعمق وقوة، وأصلح العلاقة مع أمريكا بحفنة غالية من الدولارات. حفنة الدولارات الموقعة، كانت في مقابل العرش السعودي. فيما عدا ذلك، أقل أهمية.
السعودية هي الرقم الصعب في خريطة المنطقة، فهل تنزوي قطر؟
بعد عودة الرئيس الأمريكي، اقترح الكاتب الفلسطيني عبد الباري عطوان أن يقوم الأمير القطري بزيارة قريبة إلى واشنطن حاملاً معه حفنة أكبر من الدولارات لإعادة المياه الأمريكية إلى مجاريها القطرية.
قطر لن تنسحب بهدوء، مازالت تملك الكثير من أوراق القوة الإقليمية والدولية، والتي عملت في الفترة السابقة على تقويتهم من أجل استعمالهم في ساعات الحسم، أو في الساعات التي تريد فيها قطر أن تثبت أنها الرقم الصعب.
مازال الغاز يفتح مساريبه بدقة. ويفتش عن طرق جديدة لإيصاله لمستهلكيه، ويؤلف مع الأدوات السياسية والعسكرية القطرية في سوريا واليمن وليبيا، بؤر توتر، لن يطول الوقت حتى تفتح من جديد وبقوة أكبر.
تقدر قطر في ساعات الأزمة هذه على تغيير بوصلة تحالفاتها في المنطقة المنكوبة. كل التحالفات التي حددت مسارها حتى الآن، يمكن مراجعتها، وبناء تحالفات جديدة.
القطب الآخر في المنطقة يفتح أبوابه ببطء. روسيا وتركيا وإيران يتلمسون الخلاف الخليجي، ويتحمسون ببطء أيضاً. ولديهم أيضاً توجهات متناقضة، يقبلون قطر على علاتها، ولا يلفظون السعودية في تغييراتها. قطر مهمة،لكن السعودية مهمة أيضاً، وإذا استطاعت أمريكا في فترات كثيرة من الاستفادة من تناقضات المنطقة عموماً والخليج خصوصاً، سيستطيع القطب الجديد الاستفادةمن تناقضات الخليج.
تبيّن شبكة الجزيرة الإعلامية دور قطر في الخليج والمنطقة، شبكة الجزيرة هي الذراع الطويلة لقطر القصيرة.
بعد عودة الرئيس الأمريكي بقليل، تسجل مصر هجوماً إرهابيّاً مسلحاً على باص يقلّ أقباطاً في المنيا، يؤدي إلى قتل وجرح العشرات منهم، قبل عمليات جوية للطيران الحربي المصري في ليبيا، لن تهدأ في القريب العاجل. تزامن معها تهديد الرئيس المصري بقض مضاجع الإرهاب وداعميه. فتعلق الجزيرة أن مستضعفي مصر يستغيثون بالله وسيسي يستغيث بترامب. معركة قطر مع الرئيس المصري ليست جديدة، لكنها ستأخذ طابعا جديداً بعد تسليم السعودية دفة القيادة.. مؤقتاً.
تعود السعودية للقيادة في المنطقة إذن، ترافقها الإمارات والبحرين، القيادة السعودية الجديدة، تحت غطاء أمريكي، سيعني تغييراً شكليّاً في ملفات اليمن وسوريا وليبيا. لماذا شكليّاً؟
لأن الغطاء الأمريكي ليس بالضرورة أن يكون للسعودية وحدها. أمريكا منشار كبير وحاد وعملي، ووجود أزمة خليجية خليجية يعني أن أمريكا تستطيع أن تلعب بقوة وتستثمر بقوة. يعني أن المصالح الأمريكية ستسير قدماً. المنطقة الموبوءة بالحروب مكسباً أمريكياً، ومكسباً للقطب الآخر أيضاً. واستمرار الحرب أحد الخيارات لاستمرار تدفق السلاح، والثروة.
وتغيرت قطر!
بدأ عهد “الامبراطورية القطرية”، بعد انقلاب أمير قطر السابق حمد بن خليفة، على والده، حينها تغيرت قطر. حققت قفزة اقتصادية، عبر تنظيم توزيع الثروة، وإعادة ترتيب العلاقات القطرية- العربية، والقطرية- الدولية. فظهرت كأنها دولة محورية في إعادة ترتيب الخليج والعالم العربي.
دولة صغيرة بإمكانيات اقتصادية كبيرة، استثمرتها في بناء شبكات نفوذ في الجغرافية العالمية، وشبكات إعلامية توفر ما حاولت الشبكات العربية الأخرى حجبه ومنعه. وشبكات ثقافية فتحت مجالات كبيرة أمام المثقفين والسياسيين الذين حاربتهم أنظمتهم، في بحر الاستثمار ذاك استقبلت قطر مفكرين وصحفيين وإعلاميين ورياضيين، وتيارات وأحزاب وحركات، وصنعت تيارات وأحزاب وشبكات إعلامية جديدة، تعبر عن ميول المصنوع الجديد. في بحر الاستعمالات تلك تغدو حركة الاخوان المسلمين تفصيلاً صغيرا بينها على الرغم من أهميته.
سارت الجزيرة الصغيرة قطر، على خطا الامبراطوريات الكبيرة، بنت جيوشاً مالية وثقافية وإعلامية، ومراكز أبحاث لغايات سياسية، ولتوظيف من يمكن استثماره. ولأنها لا تملك جيشاً قويّاً يتماشى مع القوة الحديثة، استثمرت أمريكا في الجيش، فكانت قاعدة العديد الأمريكية، امتداد لتدعيمامبراطورية قطر المبنية على الغاز أولاً، وعلى القاعدة الأمريكية ثانياً.
الجيش العسكري الموكول بحماية هذه الجزيرة الصغيرة الحديثة، هو الجيش الأمريكي. الجيش الذي يمكن أن يقوم بدورين في نفس الوقت، دور حافظ الأمان، ودور مزعزع الأمان.
بعد عودة الرئيس الأمريكي، ،قطر ستتغير من جديد، الجيش الموكول بحماية الجزيرة سيتغير. والجيوش الإعلامية والثقافية والمالية التي وزعتها قطر في الخليج والعالم العربي والعالم ستتغير أيضاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *